يحيى زكي

شهد مصطلح الحقيقة في السنوات الأخيرة تغييرات عدة، حتى تحدث بعض المفكرين عن مصطلح جديد وهو «ما بعد الحقيقة». لقد كان مفهوم الحقيقة في الماضي يحيل إلى فضاءات عدة، هناك الحقيقة بالمعنى الفلسفي، تلك الكلمة المحيرة أحياناً، والملغزة في أحيان أخرى، كلمة شغلت الوعي الإنساني منذ بدايات التفكير المجرد، وهناك المفهوم اللغوي القريب للحقيقة، بوصفها المعبرة عن كل ما هو صادق وراسخ وأصيل يناقض الزيف والغش والخداع.
الآن إذا نظرنا إلى هذين المعنيين، الفلسفي واللغوي، سنلاحظ متغيرات عدة، لم يعرفها الإنسان في ما سبق، فلا أحد يفكر في الوقت الراهن في الحقيقة بمعناها الفلسفي، فالإحالات الوجودية والتجريدية لهذا المفهوم لم تعد على طاولة البحث، وذلك يعود إلى أن الفلسفة، ومنذ عقود، تعيش ركوداً ملحوظاً، وتدهوراً يشبه المأساة، فهناك من أعلن أننا لسنا في حاجة إليها، وأن العلم بإمكانه الإجابة عن الأسئلة التي حيرت البشر طويلاً، كما أن صعود الجماهير الغفيرة وفرض ذائقتها يتناقض جوهرياً مع الفلسفة، تلك النخبوية التي تعيش في الأبراج العاجية والمختبرات المغلقة.
أما المعنى الآخر للحقيقة، فهو يعاني بدوره، فنحن نعيش في عصر تتعدد فيه مظاهر الزيف في مختلف مفاصل الحياة، فالبضائع التي نستهلكها غالباً مقلدة، وهناك زيف لا حدود له على مواقع التواصل الاجتماعي، بل إن الواقع الافتراضي بأكمله لا يمكن فهمه في العمق إلا بوصفه أحد تجليات الوهم، أو هو واقع زائف نخدع أنفسنا بالعيش فيه والاستمتاع به.
وهناك معنى ثالث وكامن للحقيقة، ويتمثل في أن البشر باتوا يبحثون عن كل ما يرضيهم ويشبههم، لا مساحة لديهم للمختلف، ولا وقت لديهم لاستيعاب المغاير، من هنا أزمة الحقيقة. ففي الماضي كنا نُقيّم حياتنا ونطور أفكارنا باتجاه المعيار الذي نعتقد بصوابه أو بأنه الأقرب إلى الحقيقة كما نتصورها، كنا نتجادل مع الآخرين ونتحاور معهم ونتعلم منهم، ونضيف إليهم ونتأثر بهم، في الوقت الحالي، تغيرت الصورة وبات البشر نسخاً كربونية من بعضهم البعض، ولا حقيقة يمكن البحث عنها في قلب ذلك التماثل.
في الماضي كانت هناك حركات واسعة لكسر ذلك التماثل، والتمرد على المألوف ورفض المعروف والمكرر، حركات هيمنت في الفلسفة والآداب والفنون، ولا يمر وقت وتترسخ إحدى هذه الحركات في شكل تيار أو مدرسة، إلا وتنشأ حركة جديدة تعارضها وترفضها، كان الجميع يتحرك بحثاً عن الأصوب والأفضل للبشر، يضع ما يعتقده حقيقة ويعمل على الوصول إليها بكل الطرق والسبل، من هنا انتعش مفهوم الحقيقة ليس على مستوى النظر وحسب، ولكن في السلوك والحياة، كنا نلمحه في أفكار الفيلسوف كما في تصرفات البسطاء.
الآن تغير كل هذا، وبتنا سعداء بثقافة واحدة يختفي فيها الاختلاف، ومتحجرة لا تتغير، وباتت كل القواعد متشابهة، وأصبحنا نفتش عن التنوع فلا نجده، ودخلنا أزمة لم يعرفها العقل الإنساني، وربما نعانيها الآن قليلاً، ولكن بوادر المستقبل لا تبشر بأي تغيير.