يحاول البعض، من باب النطاعة الدينية والسياسية، قطع الصلة بين الماضي والحاضر والمستقبل، في تجاهل متعمد، معظم الوقت، للحقيقة الحتمية القائلة بالتواصل بين مراحل التاريخ، بغض النظر عن مدى رضانا عن بعض أحداثه.
صحيح أنه لا يجوز الاتكاء على التاريخ وحده، سواء كان قريباً أو سحيقاً، في استنهاض الهمم وصناعة الوعي اللازمين للانطلاق نحو المستقبل، مسلحين بما يلزمه من أدوات، غير أنه لا يمكن أيضاً قبول التعامل مع التاريخ على أنه حكايات مسلية أو مراحل للتباهي، وإلا تحوّل إلى عبء على الآني والآتي، يكبّل صناعتهما وإعداد الأجيال لتحدياتهما.
ومن حُسن الحظ، أن هذه النطاعة لا توقف مظاهر تخليد التاريخ الواعية بأنه معين للحاضر والمستقبل، وليس مهرباً من المسؤوليات المتعلقة بازدهارهما. وتخليد التاريخ لا يعني مجرد الوقوف عند أبطاله وحوادثه المفصلية، إنما استخلاص العِبَر من بشره، وكيفية مواجهتهم لتحديات عصورهم وهم يبنون أمجادهم، وحتى التعلم من أخطائهم التي هدمت عروشاً أو ضيعت مقدرات.
والتاريخ، بهذا المعنى، يمثل دروساً مستخلصة من تجارب يمكن البناء على ما تضمنته من نجاحات، وتجاوز ما بها من عثرات، أي أنه خبرات مجانية يجب أن تستدعى، بغض النظر عما إذا كان المجتمع الآن في حالة تعثر أو نهوض، لا لمحاكاتها تفصيلاً، والاكتفاء بمجرد الفخر بها، إلى حد يهمل بناء الحاضر والمستقبل.
الأمم والدول ليست سياقات متقطعة، بل هي مراحل تتراكم وتتلاقح بكل ما فيها من نجاح وفشل، وليس من الحكمة الدعوة إلى فصلها أو التبرؤ من بعضها، وإلا اهتزت الجذور وغابت المرجعيات بكل ما فيها من علوم ومعارف وقيم، وأصبحت كل مرحلة طارئة على ما قبلها أو بعدها.
المتاحف، والآثار، والدور التراثية، والمؤسسات الثقافية، هي أوعية تاريخية لازمة، من قِصَر الفهم ربطها بالرفاه، فهذه المقاصد تتجاوز في وظيفتها مجرد عرض ما كان، والنظر فيما فعل السابقون، من باب الفرجة، إنما هي، مرة أخرى، مدارس لمن يعي، ومواقع إحياء للهمم، وبعث إيمان الأجيال بالقدرة على الإنجاز الذي لم يعظم على الأجداد والآباء، في ظروف لم تكن سهلة، مقارنة بما نعرفه اليوم.
وهذه المواقع أيضاً من لغات التفاهم العالمي، ففي مقتنياتها بيان لما كان بين الحضارات من تواصل، يسّر أن تتبادل العلوم والسلع وبعض طرق العيش ومفردات الحياة، وهو درس صالح لغرس الإيمان بقيمة التعايش الإنساني والتعاون البشري الهاف لمصلحة الجميع ونبذ التناحر والجور والسطو على ممتلكات الآخرين، والامتثال لقانون عام لا يفرق ولا يجامل. أَوَلَيس في ذلك كله تلخيص لما يسمى الآن السلام العالمي المهدد بتصرفات بعض قصار النظر والطارئين على الإنسانية، المحرومين من تاريخ قيمي يردعهم عن تهديد البشر وسرقة ما يملكون؟ التاريخ ثروة للحاضر والمستقبل، والأهم عدم التطرف في التباهي بها أو افتعال خصومة معها.
ثروة للحاضر والمستقبل
4 نوفمبر 2025 00:18 صباحًا
|
آخر تحديث:
4 نوفمبر 00:18 2025
شارك