القاهرة: «الخليج»
تمثل معارض الكتب حالة خاصة في الثقافة العالمية، فهي سوق سنوي لبيع وعرض الإصدارات الجديدة من كافة صنوف المعرفة، وفرصة للتلاقي بين المثقفين من مختلف أقطار العالم، ومع تزايد التعامل بوسائل الاتصال الحديثة والاعتماد على الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي، يتبادر سؤال مهم حول أهمية معارض الكتب في ظل الواقع الافتراضي، وهل تغني مواقع التواصل والمواقع التي تستعرض الكتب عن معارض الكتب التقليدية؟
الروائي السيد نجم، يقول: «بالتأكيد الطفرة التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية في مجال تكنولوجيا المعلومات، وزيادة الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعي، جعلت مثل هذه الأسئلة محور نقاش دائم، لأنه على أرض الواقع نجد تأثيراً واضحاً وملموساً في هذا الاتجاه، وقد رأينا زيادة الإقبال على الكتاب الإلكتروني أكثر من الكتاب الورقي، بل إن عدد المطبوع من الكتب الورقية قد تراجع مقابل الاعتماد على الكتاب الإلكتروني».
ويضيف نجم: «قد نرى في المستقبل معارض تقام خصيصاً للكتاب الإلكتروني نظراً للإقبال الشديد عليه، لما يتمتع به من سمات مميزة تجعله يتفوق على الكتاب الورقي، منها السعر، والتكلفة، ومع ذلك لن تؤثر المواقع التي تقوم باستعراض الكتب الجديدة في معارض الكتب، بل تساعد على زيادة المبيعات، لأن هذه العروض تبين أهمية الكتاب المعروض وتستعرض أهم فصوله، وتشير إلى محتواه».
رونق
ويؤكد الناقد شوقي عبد الحميد، أن معارض الكتب التقليدية سيظل لها رونقها المميز وسماتها الخاصة التي تميزت بها، وسيظل للكتاب الورقي حضوره الفارق، رغم التقدم العلمي في مجال التواصل الاجتماعي وكثرة وسائله، واعتماد كثير من المثقفين عليه، وانتشار الكتاب الإلكتروني ودور النشر التي بدأت العمل في هذا الاتجاه بكثرة.
وعلى الرغم من كل هذه المعطيات وتداعياتها، فإن الكتاب المطبوع لم يفقد بريقه وسطوته، وتأثيره الذي لا يقارن، فمعارض الكتب قائمة في الأساس على الكتاب المطبوع، ويقاس نجاح أي معرض بعدد حضوره ومبيعات الكتب ودور النشر المشاركة فيه.
الناقد سيد الوكيل، يقول: «زيادة المواقع الخاصة بعرض الكتب- نقطة إيجابية للغاية، تساعد على زيادة مبيعات الكتب خاصة في معارض الكتب التقليدية، لأنها بمثابة دعاية وترويج لها، خاصة أن معظم هذه المواقع يقوم على تحريرها صحفيون وأدباء، ويتم اختيار الكتب بعناية فائقة، وبطريقة تقوم على التنوع في مجالات المعرفة المختلفة».
ويرى الشاعر أحمد عنتر مصطفى، أن معارض الكتب التقليدية لن تتأثر بزيادة الإقبال على مواقع التواصل الاجتماعي، بل من الممكن أن تكون هذه المواقع عنصراً مكملاً ورافداً مهماً لتطوير المعارض التقليدية، وقد رأينا ما حدث للمعارض الكبرى في العالم خلال السنوات الأخيرة، وكيف زاوجت معارض الكتب العربية، مثل معرض القاهرة الدولي ومعرض الشارقة الدولي للكتاب ومعرض أبوظبي ومعرض الرياض ومعرض الدار البيضاء، وغيرها، بين الشكل التقليدي والاستفادة من إمكانات الواقع الافتراضي.
ويتابع: «يمكن الاستفادة في المعارض بتقنيات الواقع الافتراضي، خاصة في مجالات مثل الكتاب الإلكتروني، وإقامة ندوات عن طريق تقنية الزووم وغيرها، لقد فتح العالم الافتراضي مجالات أكثر رحابة للمعرفة، وأعتقد أن الفترة المقبلة ستشهد نهضة واضحة وتطويراً ملحوظاً في مجالات التسويق الثقافي، وإقامة شراكات معرفية بين دور النشر المختلفة من أنحاء العالم. ومع ذلك يحتاج التبادل الثقافي، وهو سمة أساسية من سمات معارض الكتاب، إلى وجود الشكل التقليدي للمعرض».
ويستطرد عنتر مصطفى: «أما بالنسبة لمواقع عرض الكتب فهي لن تؤثر في المعارض التقليدية، فبعضها يتم من خلاله التسويق للكتاب المطبوع، وبعضها مواقع صحفية، في النهاية هي تخدم حركة النشر وتضيف إليها».
مزاوجة
الروائي يوسف القعيد، يقول: «يفرض الواقع الافتراضي نفسه على الثقافة ويطرح أسئلة حول المستقبل، وضرورة التغيير والتطوير، من هنا يمكننا أن نقول إن هناك ضرورة للمزاوجة بين الشكل التقليدي لمعارض الكتاب، وهو أمر لا غنى عنه، كضرورة الاعتماد على لغة العصر، حيث الفضاء المتعدد والمتنوع في ظل سطوة عصر المعلومات، وأظن أن حالة التكامل هذه ستخلق شكلاً مميزاً لمعارض الكتاب، وتجعلها أكثر جذباً للجمهور».
وينوه القعيد بأننا لسنا ضد الاستفادة من الواقع الافتراضي، لكن ضد سطوته، وسطوة الآلة على العقل البشري، ونرجو الاستفادة منه لتطوير الشكل التقليدي لا القضاء عليه، فكما أن الكتاب الإلكتروني أصبح ضرورة، يبقى للكتاب المطبوع سحره وجماله».
ويشير القعيد إلى أن مواقع عرض الكتب تضيف لصناعة الكتاب، خاصة أنها تعمل على ترويج الكتب، وأنا مع زيادتها، لأنها تواكب كل ما هو جديد في عالم النشر، وأظن أن تأثيرها يكون بشكل إيجابي في معارض الكتاب وليس العكس. ودعنا نؤكد أن معارض الكتاب ضرورة ثقافية حتى لو تغيرت أدوات العصر الثقافية ومعطياته.
صيغة
القاص شريف عبد المجيد يشير إلى أن التسويق الثقافي تَطوَّر في السنوات الأخيرة، وبات من الضروري الاعتماد على الواقع الافتراضي، لتطوير العمل الثقافي، من أجل الوصول إلى صيغة ثقافية عصرية تناسب عصر ما بعد الحداثة. ويقول: «تطورت معارض الكتاب في العالم العربي في السنوات الماضية، واستفادت بالتأكيد من التقنيات التكنولوجية، وقد رأينا كثرة دور النشر التي تعمل في مجال النشر الإلكتروني، والتي تزيد من دورة لأخرى في معارض الكتاب العالمية والعربية. وأنا شخصياً لست قَلِقاً من كثرة مواقع عرض الكتب الإلكترونية، بل أجدها فرصة جيدة لعرض المنتج الثقافي المطبوع والترويج له، وهي خطوة مساعدة لمعارض الكتاب التقليدية وليست للتقليل منها».
إضافة
القاص فتحي سليمان يلفت إلى أن معارض الكتاب العربية كانت من أكثر المعارض التي استفادت من الواقع الافتراضي، خاصة معرض الشارقة الدولي للكتاب ومعرض أبوظبي ومعرض القاهرة، وليس هناك خطر من هذه الاستفادة، بل هي إضافة حقيقية لهذه المعارض، التي شهدت تطوراً ملحوظاً ورائعاً يجعلنا كعرب فخورين بما يتم فيها، ويجعلها في أماكن متقدمة من التصنيف العالمي لمعارض الكتاب، ويجعلها محط أنظار المثقفين من كافة أنحاء العالم، ويقول: «أعتقد أن المستقبل سيشهد تطوراً أكثر، خاصة مع استخدام الذكاء الاصطناعي، ليس فقط على مستوى صناعة الكتب، والانحياز للكتاب الإلكتروني، بل على مستوى أجنحة العرض وتقديم المنتج الثقافي داخل هذه المعارض، وليس هناك خوف من إطلاق مواقع على الشبكة العنكبوتية لعروض الكتب، والتي تقوم بعرض آلاف الكتب التي تصدر حول العالم. هذه المواقع تقوم بخدمة مميزة لصناعة الكتب على مستوى العالم، وبعضها يساعد على تسويقها بالشكل اللائق، وهي لا تعمل بشكل موسمي مثل معارض الكتب، بل حركتها يومية ودائمة، ولذلك ليس لها تأثير في معارض الكتاب التقليدية، بل قد تكون عاملاً مساعداً للترويج للكتب وللتعريف بأسماء مؤلفيها».
ويتفق مع هذه الرؤية الناقد د. أسامة أبو طالب، قائلاً: «معارض الكتاب عرس سنوي للثقافة في أنحاء العالم، وسيبقى هذا العرس السنوي فرصة للتلاقي والحوار الثقافي البناء، والتعرف إلى الثقافات العالمية المختلفة، وفي ظل الواقع الافتراضي أعتقد أن هذه فرصة لتطوير الثقافة بشكل عام، وفي القلب منها تطوير معارض الكتاب».
ويؤكد د. أبو طالب أنه من الصعب التكهن بما في المستقبل لكن هناك مؤشرات واضحة تدل على سيادة التكنولوجيا، والتأثير المؤكد للواقع الافتراضي في العقل الإنساني، ومن ثم سنرى هذا التأثير على معارض الكتاب في العالم. وبالنسبة لمواقع عرض الكتب، يذهب أبو طالب إلى أنها لن تكون بديلاً عن معارض الكتب، فالمعارض التقليدية تقوم على بيع الكتب، وندوات يشارك فيها المؤلفون وأمسيات ثقافية متعددة، وأعتقد أن هذا الشكل سيستمر طويلاً، حتى مع دخول التقنيات الحديثة في معارض الكتاب.
مؤثر
يرى الناقد د. حسين حمودة، أن الواقع الافتراضي أصبح أحد المؤثرات في العقل الإنساني، بما فيه من جاذبية مختلفة وسرعة في توصيل المعلومات، ووجود حقول معرفية مختلفة، تجعل توصيل المعلومة سريعاً، ويؤثر هذا الواقع الافتراضي في كل ما حوله، ولا خطر منه على فكرة التسويق الثقافي، بل قد يكون بمثابة إنقاذ لهذا الأمر الذي تعثرت فيه الثقافة العربية لسنوات طويلة، بحيث تساعد وسائل الاتصال الحديثة على التسويق الجيد للثقافة، ومن هنا تلعب مواقع عرض الكتب دوراً جيداً في نشر المعرفة بتقديم عروض للكتب المهمة التي تصدر، وبعض هذه المواقع متخصص للغاية، فهناك مواقع للكتب الأدبية، وهناك مواقع للكتب المترجمة، وهناك مواقع للكتب العلمية، وتأثير هذه المواقع في معارض الكتب تأثير إيجابي للغاية وإضافة نوعية لها.
وينصحنا د. حمودة بأن المستقبل يحتاج منا جميعاً إلى أن نتسلح بالمعرفة، وأن نعمل جاهدين على تطوير أدواتنا الثقافية، وألا نقف عند حدود المتاح ثقافياً وعقلياً، ويضيف: «من خلال حضوري لعدد من معارض الكتاب العربية، وجدت تطويراً ملحوظاً، كما في معرض الشارقة للكتاب ومعرض الرياض، إضافة إلى معرض القاهرة للكتاب، وغيرها من المعارض التي تدعو للفخر، نظراً لتنظيمها المتميز، واستفادتها الواضحة من أحدث ما وصل إليه العالم في مجال المعارض».
وتساءل د. حمودة: لماذا نقف دائماً أمام سؤال يضعنا في حالة من الحيرة ما بين الواقعين الحالي والافتراضي؟ في حين أنه من الممكن أن يكمل أحدهما الآخر، فالفعل الثقافي الحقيقي، من وجهة نظري، يقوم على حالة من التكامل لا التضاد.
كرنفال
يؤكد الفنان التشكيلي أحمد الجنايني، أن معارض الكتاب التقليدية هي الأكثر جذباً للجمهور، لأنها أشبه بكرنفال ثقافي تتجمع فيه فئات مختلفة من المجتمع، كما أنها فرصة لأن يقابل المؤلف جمهور القراء، عبر ندوات نقاشية وفكرية تقام على هامش كل معرض، وهي الصورة الأجدى في هذا الأمر، بعيداً عن لقاءات الواقع الافتراضي، وهذا لا ينفي ضرورة الاستفادة من الواقع الافتراضي بما فيه من أشكال للتواصل تفوق كل التوقعات.
ويضيف الجنايني قائلاً: «كثرة المعارض التقليدية دليل على استمراريتها، وأنها فاعلة ولها دور في الحركة الثقافية، فعندنا في مصر معارض طوال العام في المحافظات المختلفة، إضافة إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب، وأعتقد أن هذه الحالة موجودة في معظم الدول العربية. لن يطغى الواقع الافتراضي بما فيه من مغريات على الأشكال الثقافية الأكثر إنسانية، بما فيها من وجود فيزيقي للفعل الثقافي، ومع ذلك أنا مع الاستفادة المحسوبة من تقنيات الواقع الافتراضي في هذا المجال».
ويضيف الجنايني: «حتى مواقع الكتب، التي تقوم بنشر الكتب الإلكترونية، أو عرض الكتب الورقية لن تكون بديلاً عن معارض الكتب، لأن الأصل موجود، ودور هذه المواقع في الأساس هو الترويج للكتب وليس إلغاء معارض الكتاب، التي ستظل، من وجهة نظري، ملتقىً للثقافات والإبداع».