أحمد مصطفى

احتفلت مصر رسمياً بافتتاح المتحف المصري الكبير بحضور عشرات الوفود من دول المنطقة والعالم. صحيح أن مصر فيها من الآثار ما يجعلها «متحفاً مفتوحاً» من معابد المصريين القدماء إلى كنائس قبطية ومساجد تاريخية وعمارة على الطرز الأوروبية والإسلامية، لكن وجود متحف بهذا الحجم أمر ضروري ومهم، بعدما ضاق المتحف المصري التراثي بميدان التحرير على مقتنياته وأصبحت هناك حاجة لبناء متحف أكبر يضمن جودة العرض.
ومع أن مصر افتتحت قبل سنوات قليلة متحف الحضارات في منطقة الفسطاط من القاهرة القديمة، إلا أن المتحف المصري الكبير في حرم أهرامات الجيزة هو بالفعل إنجاز أهم وأكبر، ويصدق القول عليه بأنه «هدية مصر للعالم».
ليس فقط بمقتنياته الأكثر عدداً، ولا المساحات التي تضمن طريقة عرض أفضل، وإنما لأنه يكمل مساحة كبيرة من الآثار في متحف مفتوح على هضبة الأهرامات وأبو الهول. لا تكمن أهمية هذا الإنجاز في مساحته وحجم مقتنياته فحسب، بل إنه كما يقول البعض «أشرف متحف في العالم.. فلا توجد به قطعة واحدة مسروقة». أو بمعنى أدق كل ما يحتويه هو من تراث المصريين فقط، على أهمية حضارات أخرى من بابل إلى الصين وغيرها.
من جمال وروعة الإنجاز المصري الجديد، أنه لا يقتصر على عرض بعض آثار مصر القديمة من عصر الأسر الملكية قبل بضعة آلاف من السنين، بل إنه يضم آثاراً تعود إلى آلاف القرون، ما يدل على أن سكان هذه البقعة من العالم تركوا مقتنيات لهم من قبل التاريخ وقبل الإنسان الذكي الحالي.
كمثال، من بين مقتنيات المتحف المصري الكبير فأس حجرية بدائية، أو (بلطة) عمرها سبعمئة ألف عام (أي سبعة آلاف قرن). تم اكتشاف ذلك الأثر في منطقة العباسية بالقاهرة، وتعتبر من أقدم الأدوات التي استخدمها الإنسان. حدد العلماء عمر ذلك الأثر الحجري باستخدام الكربون المشع مع تحليل الرواسب النيلية والطينية حولها.
من دون تقليلٍ من أهمية آثار الحضارات الأخرى كاليونانية أو السومرية، فهذه الآثار المصرية تعود إلى ما قبل التاريخ. وتدل على الإنسان الذي لم يكن اكتمل تطوره تماماً إلى شكل البشر الحاليين الذي أبدع على أرض مصر بصنع أدواته التي يستخدمها لضمان سبل عيشه.
يضم المتحف الكبير إذاً آثاراً مادية من تاريخ المصريين حتى قبل استقرار الإنسان الذكي على ضفاف النيل وتنظيم حياته في «مجتمع» ترك تاريخه منقوشاً على جدران المعابد. كما يضم المتحف بعض آثار حقب تلت حكم الأسر من عصور مختلفة، قبطية وإسلامية مروراً بفترات الاحتلال الذي ترك آثاره أيضاً على أرض الكنانة.
إنما في النهاية كلها «آثار مصرية» توضح كم أن شعب هذه الأرض دائم العطاء بالابتكار والعلم وكل مكونات الحضارة. إن كان البعض يرى في أهمية المتحف المصري الكبير أنه سيكون عامل جذب لملايين السياح تتحصل منهم الدولة على كثير من الأموال، فإن أهميته أكبر بكثير من مجرد العائد المادي على أهمية عائدات السياحة لبلد مضغوط اقتصادياً.
أما احتفال الافتتاح، على إبهاره البصري الواضح، فلم يسلم من انتقاد بعض المصريين فيما يبدو طبيعياً بالنسبة لأي عمل إبداعي تختلف الرؤى بشأنه. بالطبع هناك من لا يفوتون فرصة للانتقاد من باب «الغل والحقد» مثل جماعات الإخوان وأشياعهم. وهؤلاء الذين تتيح لهم انتهازيتهم بقول حق نسبي يراد به باطل مطلق.
إنما في النهاية، لم يحل ذلك دون فرحة كل مصري – ما عدا الإخوان ومواليهم طبعاً – وكل عربي محب لمصر، وكل إنسان في العالم شغوف بتراث البشرية والحفاظ عليه بافتتاح المتحف المصري الكبير. ولعل الكلمة المسجلة في بداية الحفل لجراح القلب المصري الشهير مجدي يعقوب على إيجازها كانت الأكبر دلالة على استمرار تلك الروح المبدعة من مصر القديمة إلى الحديثة. أنجزت مصر صرحاً ثقافياً وحضارياً وتاريخياً مهماً سيظل منارة لكل زائر يهتم بالتاريخ والآثار وحضارة البشرية الممتدة لمئات آلاف السنين. وحصل العالم كله على مركز جديد يحفظ تاريخ البشر على الأرض ويفيد من يسعى للتعلم واستخلاص الدروس لبناء الحاضر والمستقبل. فمبروك لمصر والعالم رغم أنف المغرضين.

[email protected]