كما هو معروف فإن القيمة الاقتصادية، أو تحقيق الربح والمكسب، يتم قياسه بعدد الساعات التي يعمل فيها الموظف أو العامل، وبكمية الإنتاج ونوعه وجودته، حيث يقوم العامل ببيع وقته مقابل أجر محدد، دون الالتفات لفكرته أو مساهمته في تطوير عمله. لكننا في هذا العصر، الذي يتنامى فيه حضور التقنيات وتطورها المتتابع، ندخل مرحلة جديدة من نوع اقتصادي يتنامى في العالم بسرعة كبيرة، حيث لا الوقت ولا الجهد اليدوي هما سبب تحقيق المكسب والثروة، بل إن الأفكار بدأت تأخذ مكاناً حيوياً وجديداً، وتحديداً الإبداع الذي يعتبره كثيرون رأس المال الأهم في هذا الاقتصاد الواعد النامي.

نعم نحن نعيش نقلة فكرية تأخذنا نحو اقتصاد الإبداع، حيث يستثمر فيه الخيال، المعرفة، الثقافة، ومعها يتحول الإبداع من حالة ذهنية إلى مورد يمكن قياسه والاستثمار فيه وتحقيق العوائد المالية. كأن المعادلة السائدة تغيرت، وبات المهندس الذي يبتكر تصميماً جديداً وغير مألوف، أو الموسيقار الذي يضع لحناً مؤثراً ينتشر عالمياً، أو حتى الكاتب والمؤلف الذي يطرح فكرة ما تلهم الملايين من الناس، هؤلاء جميعهم وغيرهم من المشتغلين في مجالات أخرى، يبيعون منتجاً ذهنياً، لا مكان له، ولا زمان يحدده أو يؤطره.

ومن هنا نلحظ أن الإبداع، أياً يكن نوعه، ليس ترفاً فكرياً بقدر أنه محرك للنمو، ودافع للتنمية، وهذا يتضح من خلال الأرقام. فقد أظهرت تقارير «اليونسكو»، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، أن الاقتصاد الإبداعي: «يحقق نمواً أسرع من القطاعات التقليدية، بمعدل سنوي يقارب 8 – 10%، وأن تجارة السلع والخدمات الإبداعية تضاعفت أكثر من أربع مرات خلال العقدين الماضيين».

وأنا أقرأ عن التوجه العالمي نحو الاقتصاد الإبداعي، استحضرت استراتيجية دبي للاقتصاد الإبداعي، التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في عام 2021. وهو سبق يسجل للإمارات في مضمار التطور الحضاري والتقدم والتطور، على مستوى العالم. ويبقى الاقتصاد الإبداعي نموذجاً جديداً للإنتاج الوطني، تصبح فيه الفكرة بذرة، والإبداع وقوداً، والثقافة بنية تحتية لاقتصاد قوي. ودون شك من يملك الأفكار فإنه سيكون قادراً على امتلاك المستقبل، ومن يستمر في الخيال الإبداعي يصنع الثروة، والتنمية، والرفاه، والتطور.