عبدالله السناوي
كأنها نفس الأجواء والتفاعلات والرهانات. اختلفت الوجوه والأزمان، من دون أن تتغير زوايا النظر.
لا يقارب عمدة نيويورك المنتخب زهران ممداني بصلاحيات وحدود منصبه ما كان يحوزه الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما من مصادر قوة ونفوذ، لكن كلاهما حاز في لحظات الصعود شعبية هائلة حملتهما بصورة ما مهمة إنقاذ العالم العربي من أزماته المستحكمة!
عند صعود أوباما مطلع عام 2009 سادت رهانات سرعان ما تبددت تعول عليه في إحداث تغيرات عميقة بالمعادلات السياسة الأمريكية.
وفي حالة ممداني بدا صعوده إيذاناً بتغييرات محتملة في بنية المجتمع الأمريكي، أو بولادة جيل جديد أكثر انحيازاً لعدالة القضية الفلسطينية، لكنه لا يزال في طور التشكل ولم تستقر كامل حقائقه بعد.
لكل تجربة إلهامها الخاص. تبدى إلهام تجربة أوباما في كسر التابوهات، التي كانت تمنع، ولو بالخيال المحلق، أن يتولى رجل أسود رئاسة الولايات المتحدة، لكنها بالحصاد الأخير لم تنه إرث التفرقة العنصرية ولا فتحت صفحة جديدة مع العالم الإسلامي.
بقدر آخر فإن تجربة ممداني اكتسبت إلهامها من برنامجه الاجتماعي الصريح والمتحدي في عاصمة المال والأعمال وقلعة الرأسمالية، كتجميد الإيجارات، والحافلات المجانية، وفرض ضرائب على الأثرياء، وتمويل رعاية الأطفال، وإنشاء متاجر بقالة مملوكة للمدينة.
كلاهما ينتسب إلى نفس الحزب «الديمقراطي»، أولهما، أقرب إلى جناحه المحافظ، نائبه جو بايدن ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، وهما يمينيان منحازان للسردية الإسرائيلية.. وثانيهما، يقف على يسار الحزب، منتمياً إلى مدرسة السيناتور بيرني ساندرز المنحاز بقوة إلى القضية الفلسطينية رغم انتسابه الديني اليهودي.
لم يكن التنافس الانتخابي في نيويورك دينياً. إنه تعبير عن التناقضات الطبقية الفادحة أكثر من أي شيء آخر.. يبدو ممداني أكثر استقامة فكرياً وسياسياً، لا ينفي انتماءه الديني إلى الإسلام، ولا يعتذر عنه، ويجاهر بكونه اشتراكياً ديمقراطياً، ويطلب انتخابه لهذا السبب بالذات «تكاليف الحياة في نيويورك لم تعد تحتمل».
لم يكن أوباما على ذات درجة الاتساق. كلاهما خطيب مفوه، غير أن ممداني أكثر شعبوية.
شيء ما جوهري يتغير في أمريكا. إنه زلزال سياسي حقيقي، لكنه في نيويورك، وليس في العالم العربي. تداعياته مؤثرة في قضايانا، شرط أن ننهض للوفاء بواجبنا تجاهها وعدم تكرار الأخطاء القديمة في التعويل على آخرين.
بقوة الحقائق لن يتعرض ممداني لاختبار أوباما، فهو ممنوع دستورياً من الترشح إلى الانتخابات الرئاسية، رئيساً، أو نائباً للرئيس. هو ابن حركة الاحتجاجات الشعبية، التي عمت نيويورك، وجامعتها العريقة كولومبيا، تضامناً مع «الضحية الفلسطينية» في مواجهة حربي الإبادة والتجويع.
بتعبير ترامب فإن من ينتقد إسرائيل يخسر مستقبله السياسي، على عكس ما يحدث الآن تماماً. كيف نستثمر سياسياً في التحولات العميقة، التي تشي بها الاحتجاجات الغربية الغاضبة دعماً للقضية الفلسطينية؟
هذا هو السؤال الذي لا إجابة عنه حتى الآن؟! الوقوف في مواقع المتفرجين جريمة تاريخية متكاملة الأركان.
في يونيو/حزيران 2009، أطل أوباما على المنطقة من فوق منصة جامعة القاهرة متحدثاً عن فتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي.
كان ذلك حدثاً استثنائياً حاول فيه أن يرمم صورة بلاده المتصدعة، من دون أن يلتزم بتكاليف سياسية جديدة، فلا أحد يقدم العطايا الاستراتيجية على طريقة «بابا نويل» في احتفالات أعياد الميلاد.
بعد كل ما حدث من تطورات وحوادث نحن بحاجة إلى مراجعة لما جرى في جامعة القاهرة والرهانات التي صاحبت زيارة أوباما.
كان هوساً في غير محله، كأنه «صلاح الدين الأيوبي» جاء حاملاً رايات النصر إلى المنطقة المنكوبة بأزماتها وحروبها.
أوباما نفسه استغرب في مذكراته بعض ما رآه في قاعة الاحتفالات الكبرى بالجامعة العريقة، فما أن صعد إلى المنصة وألقى التحية الإسلامية «السلام عليكم» هلل الجمهور بحماس بالغ، واستمر يصفق ويهتف طوال خطابه.
رغم ذلك كله وصف أوباما العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بأنها «غير قابلة للكسر».. كانت تلك العبارة الصريحة تعبيراً عن حقائق السياسة الأمريكية المتوارثة، أراد بها أن يضع حدوداً استراتيجية لما يمكن أن يتبعه من سياسات في تحسين العلاقات مع العالم الإسلامي، وأن أي رهان على أي صدام محتمل بين الولايات المتحدة وإسرائيل في عهده يتماهى مع الوهم، أو هو الوهم ذاته.
هذا بالضبط ما تحداه ممداني، الذي أعلن استعداده لاعتقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إذا ما زار نيويورك.. قال إن المدينة تحترم القانون الدولي وأحكام العدالة الدولية، وإنه سوف ينفذ مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية.
المثير هنا أن (40%) من يهود نيويورك انتخبوه وكان الحماس له في أوساط الشباب جارفاً.. هذا التصريح أكسبه شعبية استثنائية في العالم العربي شبه اليائس من أي عدل، لكنه يظل خياراً معنوياً يصعب أن يستكمل مقوماته إذا لم يرتفع أصحاب القضية أنفسهم إلى مستوى تحدياتها الوجودية.