خميس آل علي*

لم يعد بوسع حتى أشد المؤيدين لإسرائيل، وفكرة وجودها، اليوم إنكار حجم الضغوط الدولية المتزايدة وغير المسبوقة المفروضة عليها لقبول حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش إلى جانبها بسلام.
وتأتي هذه الضغوط نتيجة طبيعية لتطورات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي تجاوزت حدود الأعراف والقوانين الدولية، وأطلقت نواقيس الخطر بشأن التهجير الجماعي، واحتمال اتساع رقعة الصراع إقليمياً. وقد وجدت كثير من الحكومات الغربية نفسها أمام مأزق أخلاقي وسياسي في الدفاع عن الموقف الإسرائيلي، بعدما خلقت المشاهد اليومية للدمار والضحايا المدنيين، والتقارير الأممية حول الوضع الإنساني الكارثي، رأياً عاماً عالمياً ضاغطاً يدعو إلى إنهاء الحرب مباشرة، ووقف دوامة العنف المستمرة منذ عقود.
وعلى الرغم من كل ذلك، فلا يزال المزاج العام داخل إسرائيل يرفض مناقشة التعامل الجاد مع فكرة حل الدولتين، إذ يفضِّل الخطاب الإسرائيلي الرسمي التركيز على ما يجب أن يفعله الفلسطينيون: نزع سلاح الميليشيات، وتغيير المناهج التعليمية، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني. وهكذا يتحول النقاش من جوهر الصراع إلى شروط مسبقة تُبقي عملية السلام في دائرة مغلقة، وتمنح الطبقة السياسية الإسرائيلية مسوغاً لمواصلة سياسة المماطلة وكسب الوقت.
والمفارقة أن هذا الخطاب يلقى قبولاً داخل قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي، الذي تَشكل وعيه في بيئة تعبِّئه ضد فكرة الشريك الفلسطيني، وتغذِّيه سردية «الخطر الوجودي» التي تبرر استمرار الاحتلال بذريعة الأمن.
ولكن المشكلة أعمق من السياسة، فهي فكرية بالدرجة الأولى، فالمجتمع الإسرائيلي يعيش حالة جمود فكري، ويتبنى سياسات إقصاء تمنعه من التفكير بخيارات واقعية وإنسانية. والمطلوب هو أن تتحول إسرائيل من دولة ترى نفسها قوة عسكرية مهيمنة إلى دولة طبيعية مندمجة في محيطها اقتصادياً وثقافياً وفكرياً. وهذا التحول لن يتحقق إلا حين يدرك الإسرائيليون أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بالسلام العادل، والشراكة المتوازنة التي تضمن كرامة الإنسان وحقوقه على جانبي الحدود.
وفي المقابل يعاني الفلسطينيون أيضاً تشتت الرؤية، وضبابية الأولويات، فجزء غير صغير من المجتمع الفلسطيني لا يزال يرى في حركة حماس، على الرغم من خطئها الاستراتيجي في السابع من أكتوبر 2023، جزءاً من النسيج الوطني الفلسطيني، لكن هذا الموقف يمنح الإسرائيليين ذريعة جاهزة لرفض أي تقدم حقيقي في مسار التسوية، ويضعف الموقف الفلسطيني الموحد الذي تحتاج إليه أية مفاوضات جادة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مصارحة فكرية داخلية، يكون فيها مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة هو البوصلة الوطنية، دولة وطنية مسالمة تتعايش مع جارتها إسرائيل، وترفض وجود أي ميليشيات «إخوانية»، أو ولائية، تعمل خارج مؤسساتها الشرعية، فلا يمكن بناء دولة على التناقض بين المقاومة المسلحة، والدولة المدنية، ولا على ازدواجية السلطة بين السلاح والسياسة.
إن الدولة الحديثة لا تُبنى على الانقسام، بل على وحدة القانون والمؤسسات.
إن حل الدولتين لن يولد من قرارات سياسية، أو تفاوضية فحسب، بل من تحول فكري وثقافي عميق لدى الطرفين، فحين يدرك الفلسطيني أن مشروع الدولة الوطنية المدنية هو خلاصه، ويفهم الإسرائيلي أن السلام ليس تنازلاً، بل ضمانة لمستقبله، عندها فقط يمكن أن تبدأ رحلة السلام الحقيقي.
أما قبل ذلك، فستبقى كل المبادرات السياسية مجرد محاولات مؤقتة تعالج الأعراض من دون أن تمس جوهر المرض، الذي يتمثل في غياب الرؤية المشتركة والإرادة الصادقة لإنهاء الصراع التاريخي بين الشعبين.

*باحث في شؤون إسرائيل والشرق الأوسط في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية

KK- [email protected]