يسرا عادل
لم تستيقظ نيويورك فجر الأربعاء على مفاجأة، بل على تصحيح متأخر لمسار مضطرب. فمَن كان يصدق أن نيويورك الرأسمالية تختار اشتراكياً ليكون عمدة لها! أبت المدينة أن تقايض المال بالحرية، فصعد إلى منصتها زهران ممداني، ابن المهاجرين، والاشتراكي المسلم الذي ترجم المزاج الأمريكي الجديد بفوزه الكاسح. لم يكن وحده: ففي ديترويت تولّت ماري شيفيلد منصب العمدة، وفي سينسيناتي أعاد الناخبون انتخاب أفتاب بريفال، الأمريكي من أصول هندية، مؤكدين أن التنوع لم يعد استثناءً بل قاعدة جديدة للحكم المحلي، فيما استعاد الديمقراطيون ولاية فرجينيا بسيطرة كاملة على منصب الحاكم. ما حدث الأسبوع الماضي لم يكن موجة زرقاء عابرة، بل تسونامي سياسي أعاد الحياة إلى الجسد الديمقراطي في الولايات المتحدة.
ففي ولايات الوسط والشمال الشرقي، استعاد الديمقراطيون المجالس التشريعية والحكومات المحلية، من بنسلفانيا التي حسمت سباق مجلسها التشريعي لصالحهم، إلى ميشيغن حيث فازت الحاكمة ويتمَر بولاية جديدة بهامش مريح، وصولاً إلى أوهايو الجمهورية الميول، التي استطاع الديمقراطيون تحقيق انتصارات ملحوظة فيها عن طريق مدن كليفلاند وسينسيناتي وكولومبوس.
لقد تحوّل مساء الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني إلى إعلان غير رسمي لعودة التيار الليبرالي، ليس عبر الخطابات، بل عبر الصناديق. ففي بلد مزقته الاستقطابات الحزبية، اختار الناخب الأمريكي هذه المرة «الاستقرار بالعقل»، مفضّلاً البلديات الديمقراطية المعتدلة على فوضى الشعارات الشعبوية.
وفي أقصى الغرب، شهدت كاليفورنيا استفتاءً كان بمثابة ردٍّ سياسي على قرار جمهوري في تكساس حاول من خلاله الجمهوريون إعادة رسم الدوائر الانتخابية لتعزيز سيطرتهم من خلال إضافة خمسة مقاعد لصالحهم في مجلس النواب الأمريكي، فما كان لدى غافن نيوسوم من خيار سوى رد النار بالنار، في محاولة لتحجيم مكتسبات الجمهوريين وترسيخ توازن جديد قبل الانتخابات النصفية. فكانت كاليفورنيا كما كانت دوماً زرقاء تنتصر للديمقراطيين في كل خطوة.
فكيف قرأ الرئيس الأمريكي المشهد؟
سَجل ترامب استياءه من النتائج التي بررها بعدم وجود اسمه على بطاقات الاقتراع تارة وبسبب الإغلاق الحكومي تارة أخرى، ولعل هذا المشهد ليس أسوأ ما يثقل كاهله، بل ما ينتظره في ردهات المحكمة العليا، إذ بدأت المؤسسة القضائية العليا النظر في قضية قد تقلب موازين العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
القضية تتعلق بشرعية الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب استناداً إلى قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية (IEEPA)، وهو القانون الذي يمنح الرئيس صلاحية إعلان «حالة طوارئ وطنية» لمواجهة تهديد خارجي استثنائي. السيناريو القانوني يحسم مسألة جوهرية: هل يجوز للرئيس الأمريكي فرض رسوم جمركية بمعزل عن تفويض مباشر من الكونغرس؟ إن أي حكم يصدر عن المحكمة سيعيد تعريف مفهوم الرئاسة الأمريكية: فإذا أيدت المحكمة الصلاحيات فستفتح الباب أمام عصر جديد من الرئاسة الاقتصادية المطلقة، حيث يمكن للرئيس استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي تحت مظلة «الطوارئ الوطنية». أما إذا أبطلتها فسيُجبر البيت الأبيض على إعادة صياغة أدواته الاقتصادية، وربما إعادة الكونغرس إلى صدارة المشهد بعد عقود من التراجع أمام السلطة التنفيذية.
ويزداد المشهد تعقيداً مع الإغلاق الحكومي الممتد، الذي يشل مؤسسات الدولة ويقيد قدرة الإدارة على المناورة. فبينما يحتفل الديمقراطيون في المدن الكبرى، يقف الرئيس الجمهوري في قلب عاصفة سياسية، قانونية واقتصادية، تتجاوز شخصه لتصل إلى جوهر النظام الأمريكي نفسه.
وهكذا، تتحول الانتخابات المحلية وقضية المحكمة العليا إلى اختبار مزدوج: اختبار لمرونة الديمقراطية الأمريكية، واختبار لقدرة النظام على ضبط القوة بالعقل وسط الانقسامات العميقة.
فبين اقتصادٍ يئنّ تحت ثقل الإغلاق، وقضاءٍ يعيد ترسيم حدود الرئاسة، وشارعٍ فقد يقينه السياسي، يبدو أن إعادة الهيكلة مسار لا مهرب منه، فهل تقوى الإدارة الحالية عليه؟
إنّ ما يواجه البيت الأبيض اليوم لا يُختصر في طعونٍ أو نزاعاتٍ مؤسسية، بل في سؤالٍ وجودي عن معنى الحكم في أمريكا في القرن الحادي والعشرين: هل لا تزال الديمقراطية الأمريكية قادرة على ضبط القوة بالعقل، أم أن الانقسام بات أقوى من الدستور نفسه؟ في كل الأحوال، لا يبدو أن الإدارة ستخرج من هذا الاختبار كما دخلته، فإما أن تُعيد صياغة مفهوم السلطة التنفيذية وتفتح عصراً جديداً من الرئاسة الاقتصادية المطلقة، أو أن تُجبرها المحكمة العليا على الانحناء أمام النصّ الدستوري الذي أنقذ الجمهورية مراراً من نفسها. يبدو أن الولايات المتحدة تغلق عاماً لتدخل آخر لا يَعِد بالهدوء، لكن يُعول عليه بأن يعِد بأن الديمقراطية، مهما تكسّرت، ما زالت قادرة على أن تعيد تركيب نفسها من جديد، وأن تحافظ على توازن القوى الذي بُني عبر عقود من التجربة والتاريخ.