في كل عام، حين تفتح أبواب معرض الشارقة الدولي للكتاب، لا يقتصر الأمر على حدث ثقافي أو مهرجان معرفي، بل هو حالة إنسانية جماعية تعيدنا إلى جوهر الإنسان الأول حين أمسك بالقلم، ليوثق فكراً أو يحلم بعالم أجمل.
في الشارقة، لا يعرض الورق فقط، بل تعرض الروح الإنسانية في أجمل صورها، روح تبحث عن المعنى، وتتشبّث بالكلمة لتنجو من ضجيج السرعة والسطحية.
فمنذ أن وضع صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، لبنة هذا المشروع الثقافي العظيم، لم يكن هدفه مجرد تجميع الكتب ودور النشر، بل بناء إنسان يؤمن بالمعرفة طريقاً للنهضة. لقد تحول المعرض على مدى عقوده إلى ذاكرة حية للإمارات والعرب، يختزل مسيرة التنوير من الورق إلى العالم الرقمي، من دون أن يفقد دفء الكلمة ولا احترام القارئ.
الجميل في المعرض أنه يحتفي بالإنسان قبل الكاتب، وبالفكرة قبل الشهرة، كل زاوية فيه تحمل حكاية، كاتب شاب يوقع أول كتبه، وطفل يحمل كتابه الأول بحذر كأنه كنز، وأم تبحث عن قصة تزرعها في خيال أبنائها، هنا تتقاطع الأجيال، وتتشابك اللغات، ويذوب الاختلاف في لغة واحدة، هي لغة القراءة.
في أروقة المعرض تشعر بأن الزمن يتباطأ احتراماً للكتاب، وأن الوجوه تقرأ أكثر مما تتحدث، كل عنوان يحمل وعداً جديداً، وكل جناح يفتح نافذة نحو عالم آخر.. وبين الندوات والتواقيع والحوارات تكتشف أن الكتاب ما زال قادراً على أن يجمع الناس حول فكرة واحدة، وأن المعرفة قادرة على أن تكون مساحة لقاء لا ساحة خلاف.
الشارقة لم تكتف بأن تكون مدينة للثقافة، بل أصبحت منارة عالمية للكلمة الحرة، من بين رفوفها تخرج القصص التي تعبر الحدود، ومن بين أجنحتها تولد حوارات تتجاوز اللغة والعرق، وهنا، لا يقاس النجاح بعدد الزوار فقط، بل بعدد العقول التي أضاءها الكتاب، والقلوب التي أيقظها الحرف.
إن معرض الشارقة الدولي للكتاب ليس فعالية تختتم بانتهاء أيامها، بل حركة فكرية مستمرة تمتد إلى المدارس والجامعات والمكتبات ووسائل الإعلام، إنه تذكير سنوي بأن الكتاب لا يزال صديقاً وفياً في زمن الشاشات، وأن الأمة التي تقرأ تظل قادرة على أن تحلم وتنهض وتبدع.
وفي النهاية، يظل هذا الحدث شهادة على أن الكتاب لا يموت، بل يتجدد كلّما وجد من يقرأه ويؤمن به، والشارقة، بما تمثله من رؤية إنسانية، تذكرنا في كل دورة بأن الثقافة ليست ترفاً، بل حياة تكتب بالحبر وتروى بالحب.

[email protected]