تستضيف البرازيل هذا الشهر مؤتمر الأطراف العالمي بشأن المناخ «كوب 30»، وسط تراجع عالمي عن أهداف اتفاقية باريس لعام 2015 التي تقضي بخفض الانبعاثات الكربونية المسببة للاحتباس الحراري ورغم التقدم الواضح في تطوير بدائل لإنتاج الطاقة من مصادر نظيفة مستدامة لا تولد انبعاثات كربونية مثل الشمس والرياح وغيرها، إلا أن تعهدات دول كثيرة بتقليل الانبعاثات شهدت تراجعاً في الآونة الأخيرة.
لذا، يرى علماء الأمم المتحدة أن هدف اتفاقية باريس بالحد من زيادة درجة حرارة الأرض عن معدل إضافة 2 درجة مئوية لم يعد قابلاً للتحقيق، وبالفعل بدأت التغيرات المناخية الناجمة عن احترار الأرض تتبدى في ظواهر طبيعية لا تقتصر على تغير نماذج المناخ في مناطق الأرض المختلفة، فلم يعد الربيع ربيعاً ولا الخريف خريفاً، فضلاً عن تغيرات واضحة جداً في درجات حرارة الصيف وبرودة الشتاء.
إنما تتجاوز الآثار درجات الحرارة المباشرة إلى زيادة حدة الأعاصير والفيضانات وغيرها من الظواهر الطبيعية المدمرة التي تخلف ضحايا ودمار ممتلكات وتضر أيضاً بالمحاصيل وإنتاج الغذاء الذي بالكاد يكفي سكان الأرض.
رغم كل تلك الشواهد الواضحة، كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفه السابق من مسألة التغيرات المناخية ووصفها في كلمته بالجمعية العامة للأمم المتحدة بأنها «أكبر خدعة» في العالم، ومنذ قراره انسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ تعمل إدارته على إفشال أي إجراء دولي لمكافحة التغيرات المناخية، وكان أحدث تلك المواقف إفشال التوصل إلى اتفاقية عالمية للحد من الانبعاثات الكربونية من النقل البحري الشهر الماضي.
رغم أن إدارة ترامب أعلنت أنها لن تشارك في مؤتمر «كوب 30» في البرازيل إلا أن أغلب المشاركين من دول العالم يتحسبون لما يمكن أن يفعله الأمريكيون لتخريب المؤتمر، فيمكن أن يرسلوا في اللحظة الأخيرة وفداً تكون كل مهمته منع أي اتفاق بشأن تقليل الانبعاثات الكربونية أو تمويل قدرة الدول النامية والفقيرة على مكافحة الكربون وحبسه أو الحفاظ على الغابات الطبيعية والمساحات الخضراء التي تقلل من تأثير الاحتباس الحراري.
الأهمية الرمزية لانعقاد مؤتمر هذا العام في البرازيل التي لديها أكبر حاجز وقائي طبيعي لحماية المناخ من الغابات الاستوائية في حوض الأمازون ستكون باهتة ما لم يتفق العالم على منع التغول على الغابات المطيرة تلك، وفي ظل المواقف العدائية المتصاعدة من واشنطن تجاه أغلب دول أمريكا الجنوبية ستتردد دول أخرى في الاستجابة لدعوات العلماء وغيرهم بضرورة تخصيص الأموال لحماية تلك الأحزمة الوقائية.
صحيح أن هناك دولاً، منها دول أوروبية ودول في منطقتنا وحتى دول آسيوية كبرى كالصين وغيرها، مستمرة في الالتزام بأهداف المناخ التي تضمنتها اتفاقية باريس قبل عقد من الزمن، لكن إذا أخذنا في الاعتبار أن الولايات المتحدة من أكبر «الملوثين» للغلاف الجوي بالنشاط الصناعي والاقتصادي فيها، فإن جهود تلك الدول الأخرى لن يكون أثرها كبيراً إذا تخلت الولايات المتحدة عن الالتزام بأهداف المناخ بل وعملت ضدها.
تتركز الكتابات والتعليقات والتحليلات على تأثير ترامب في السياسة الأمريكية وحتى على الاقتصاد والتجارة العالمية، لكن تأثير ترامب في قضية المناخ أكبر بكثير، والأخطر أنه تأثير بالتفريغ السلبي، أي أنه ليس ناتجاً عن سياسات وإجراءات أمريكية وإنما تعطيل ومقاومة السياسات والإجراءات العالمية التي تستهدف التقليل من ارتفاع درجة حرارة الأرض.
هناك علماء يرون بالفعل أن العالم تجاوز «النقطة الحرجة» في احترار الكوكب، وأن معدل الدرجتين مئويتين زيادة في حرارة الأرض تم الوصول إليه، ويعني ذلك أن كل الجهود السابقة والحالية للحد من الاحتباس الحراري لم تمنع من زيادة حرارة الأرض ربما إلى نقطة اللاعودة.
وحسب تلك الرؤية المتشائمة يكون كل المأمول هو التقليل من الآثار الكارثية لذلك التغير المناخي وليس محاولة عكسه وإرجاع الأمور إلى معدلات معقولة.
هناك على النقيض طبعاً من يتفقون مع الرئيس ترامب في موقفه من أن التغير المناخي ليس حقيقة، وهؤلاء من أنصار نظرية المؤامرة ومروجي التلفيق العلمي والتضليل، وما بين الطرفين المتباعدين هناك أغلب دول العالم وسكان الأرض ممن يلمسون فعلياً وعملياً تبعات التغير المناخي ويريدون فعل أي شيء يحد منه.