بغض النظر عن حقيقة تورط الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولاي ساركوزي في ما بات يعرف بقضية «التمويل الليبي» لحملته الانتخابية عام 2007، إلا أن إدانته قد تمت بالفعل، وحُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات، بتهمة التورط غير المباشر في فساد يعتبر «عالي الدرجة».
أودع ساركوزي سجن «لاسانتيه» في باريس، لكنه لم يقض منها إلا 20 يوماً بعد أن منحته محكمة الاستئناف إفراجاً مشروطاً تحت الإشراف القضائي ومع ذلك، أثارت قضية إدخاله السجن عاصفة من الجدل داخل فرنسا وحتى في الخارج، كونها سابقة تعتبر الأولى من نوعها، إذ لم يسبق أن أودع رئيس جمهورية السجن، لا في فرنسا ولا في الاتحاد الأوروبي. صحيح أن الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك كان أول رئيس فرنسي يقدم للمحاكمة بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن القضاء حكم عليه في عام 2011 بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ بتهمة استغلال السلطة واختلاس أموال عامة عندما كان يشغل منصب عمدة باريس.
يحسب لفرنسا أنها طبقت القانون على رئيس جمهورية تمت إدانته من قبل القضاء، وإن كان لا يزال ينكر التهمة، ويصّر على إثبات براءته، لكن فرنسا كشفت عن وجه آخر للعدالة يبدو أنها أخفقت في تحقيقه على مستوى كل المؤسسات العقابية في البلاد، ذلك أن فرنسا التي سعت إلى المساواة أمام القانون، وأخضعت ساركوزي للمحاكمة كمواطن عادي، سرعان ما اعتبرته حالة استثنائية ومنحته امتيازات خاصة لا يحظى بها أي سجين عادي في ظل الأوضاع الكارثية التي تعيشها السجون والمؤسسات العقابية الفرنسية.
ففي الوقت الذي تشهد فيه السجون الفرنسية اكتظاظاً بلغت نسبته أكثر من 200% في بعض المؤسسات العقابية قياساً بسعة الاحتجاز الفعلية والممكنة، إلى جانب التلوث وحالات العنف والانتحار، ينظر إلى الزنزانة التي كان يبيت فيها ساركوزي على أنها من نسج الخيال، صحيح أنها لا تتجاوز 9 أمتار مربعة، لكنها تحتوي على هاتف ثابت يخضع للمراقبة، ومكان للاستحمام، وتلفاز ومطبخ وغير ذلك.. وهو استثناء لا يحظى به باقي المحتجزين في كل السجون الفرنسية.
وتبرز الخطورة هنا في المقارنة بين زنزانة ساركوزي المريحة مع بقية السجون الفرنسية، على الرغم من كل محاولات الإصلاح التي جرت في السنوات الماضية وهي مفارقة دفعت العديد من المراقبين إلى القول أن دولة حاسبت رئيساً باسم العدالة، عجزت عن صون كرامة المئات ممن يقبعون في عتمة سجونها. وربما نجد التعبير الأبلغ عن هذا التناقض في ما قاله عالم الاجتماع الفرنسي المتخصص في الشأن العقابي فيليب مارشال: «حين تسجن فرنسا رئيسها فهي تثبت نزاهتها، وحين تترك المجهولين خلف الجدران فهي تفقد إنسانيتها.. لقد شيّدت فرنسا السجون وسنّت القوانين، لكنها لم تعثر بعد على الحل الحقيقي».
وجه آخر للعدالة
13 نوفمبر 2025 00:12 صباحًا
|
آخر تحديث:
13 نوفمبر 00:12 2025
شارك