معرض الشارقة للكتاب، في حقيقته، هو حالة روحانية أشبه برحلة في المدى الإنساني، نكتب فيه كل ما نحلم أن نكونه، ربما قد تخرج من المعرض من دون أكياس ثقيلة، لكنك تحمل في داخلك صدى الورق حين يختلط بصوت الإنسان، تلك هي اللقطة الأجمل والتي تبقى هناك، في القلب والذاكرة كالشارقة ومعرضها الكبير، المدينة التي لا تغلق الثقافة أبوابها فيها أبداً.
المعرض يفتح نوافذه كل عام على العالم بأسره، القاعات والأجنحة محطات لاكتشاف الذات، في كل ركن في المعرض نجد نفساً جديداً من ثقافة بعيدة جاءت لتجاور ما نعرفه، فيتسع بنا الأفق إلى أقصى حدوده، ولا عجب أن يعد هذا المعرض من بين أكبر معارض الكتاب في العالم؛ إذ تجاوز عدد زواره مليونين في السنوات الأخيرة، وجمع أكثر من ألفي دار نشر من أكثر من مئة دولة.
لكن الرقم و مهما بدا كبيراً، فهو لا يروي القصة كاملة، فالجمال الحقيقي في «الشارقة للكتاب» هو الإنسان ذاته، ذاك الذي يبحث عن ذاته وسط بحر من الكتب، وبين لغات قد لا يعرفها، لكنه يدرك موسيقاها الخفية، على أرضه تتقاطع خطوات الصغار الذين يكتشفون الألوان الأولى في القراءة، مع الكبار الذين يعودون إلى النصوص كما يعود المسافر إلى بيته بعد غياب طويل.
قال الفيلسوف الفرنسي مونتين: «القراءة محادثة مع أكثر العقول نبلاً من كل العصور»، وهذا بالضبط ما يحدث في أروقة الشارقة كل عام، فالقارئ يلتقي بتاريخ من الفكر والرؤية، ليشكل كل كتاب هنا بوابة نحو عقل مختلف.
ومن بين التفاصيل التي يصعب إغفالها، هي التجربة الحسية ذاتها في المعرض والتي هي بطبيعة الحال تعد جزءاً من رسالته الثقافية، فبين جلسات النقاش وورش الأطفال والعروض الفنية، تتشكل بيئة تجعل من القراءة فعلاً يضيء على المعنى الإنساني للثقافة، إن ما تفعله الشارقة هو تجديد الإيمان بقدرة الكلمة على أن تضيء النفس وتغذي العقل معاً، كما قال الجاحظ: «الكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي لا يملك ولا يملك»، وحين يتجول المرء بين رفوف الكتب فيها، يدرك أنه بين أصفى الأصدقاء وأصدقهم.
المعنى هنا بسيط وعميق في آن، فالمعرض منظومة وعي تعيد تعريف علاقتنا بما نقرأ، فالكتب ما يصغي إليه الناس بشغف ويستعيدونه في أحاديثهم وحياتهم، وهذا الحضور الجماعي للكتب، وهذا الشغف هو الدليل على أن المعرفة لا تموت، وأن ما يكتب اليوم في الشارقة سيمتد أثره أبعد من حدود المكان والزمان، فحين يلتقي القارئ بكتاب ويفتح له بوابة التنوير، تكون الثقافة قد أدت رسالتها العليا.

[email protected]