حظيتُ هذا العام، أيضاً، بحضور إحدى جلسات الندوة السنوية التي تُنظمّها مجلة «كتاب»، «الناشر الأسبوعي سابقاً»، ضمن فعاليات معرض الشارقة للكتاب، فقبل عامين تيسر لي حضور ندوة «بصمة الأندلس.. أثر الثقافة العربية في جزيرة إيبيريا»، وسعدتُ كذلك بحضور ندوة المجلة نفسها في العام الماضي، تحت عنوان «هجرة اللغات»، حيث قدّم عدد من الباحثين العرب والإسبان قراءات حول التفاعل بين اللغتين العربية والإسبانية، فيما اختار منظمو الفعالية لدورة هذا العام العنوان الجميل التالي: «تأليف الحديقة.. قراءات في القصيدة الأندلسية وتحولات الأثر»، وكما نلاحظ، فإن الأندلس، بما تمثله من قيمة حضارية وثقافية، قاسم مشترك بين الندوات السنوية الثلاث.
أحد المشاركين في ندوة العام الماضي أشار إلى أن اللغة الإسبانية أكثر ثراء من اللغات اللاتينية الأخرى كالفرنسية والإنجليزية والرومانية، بسبب كمّ المفردات العربية التي دخلت فيها، حتى لو تحوّرت كتابة ونطقاً، ووردت في الندوة إشارة إلى أنّ المكوّن العربي في لغة المهاجرين الإسبان إلى القارة الأمريكية اللاتينية، يعكس بصورة أكبر مقدار التأثير العربي في تلك اللغة، بتأثير الهجرات العربية المبكرة إلى القارة.
إذا كان العرب أغنوا اللغة الإسبانية بمفردات من لغتهم اندمجت في النسيج اللغوي الإسباني، فإن الطبيعة الخلابة لأرض الأندلس قد أثرت ليس الأدب وحده وإنما حتى المعمار الذي شيّد في الأندلس يوم كانت تتكلم العربية، وأتت الباحثة الإسبانية نويمي فيزو في ندوة العام قبل الماضي على مكانة الماء كعنصر من مكوّنات الحديقة الأندلسية التي أنجزها المهندس العربي يومذاك، فقام بتوظيف الماء، بما يمثله من رقّة ورهافة في «نماذج الحدائق التي شاعت في المساجد والقصور والمنازل والميادين مستخدماً مساقط الماء والنوافير والشلالات والفوارات والمياه المتدفقة من أفواه التماثيل المنتصبة لتحقيق انسجام بين الصوت والحركة في المحيط الحدائقي، ما أبهر العالم الذي عجز عن فهم الكثير من الأسرار التي تخفيها هذه النماذج المصممة على نحو احترافي ومعرفي متفوّق».
في ندوة هذا العام، تناولت الباحثة المغربية حورية الخمليشي «أنسنة الطبيعة في القصيدة الأندلسية»، ملاحظة أن «تأليف الحديقة الأندلسية كان تأليفاً شعرياً ومعمارياً وموسيقياً»، وتوقف الباحث الأردني صلاح جرار أمام أثر جمال الطبيعة الأندلسية في عذوبة النص الشعري العربي الذي كتب هناك، أما المستعرب التركي محمد حقي سوتشين، فوقف أمام مسألة على قدرٍ كبير من الأهمية لم يجر الالتفات إليها كفاية، هي «حداثة» النص الشعري العربي في الأندلس مقارنةً بنصوص عربية لاحقة له بقرون كتبت في المشرق خاصة، وهي على خلاف الحداثة الغربية ليست قطيعة مع الماضي وإنما هي تحويل من داخل الاستمرارية وولادة أشكال جديدة من رحم التراث العربي والبيئة المتوسطية متعددة الثقافات.