نخرج من المدرسة محملين بالدرجات والشهادات، نحفظ قوانين الفيزياء وجداول التاريخ، لكننا نقف مرتبكين أمام أول خلاف عائلي، أو خسارة مفاجئة، أو قرار مصيري يتعلق بعمل أو علاقة، هناك في المنطقة الواقعة بين ما نعرفه وما نعيشه فجوة اسمها «مناهج الحياة»، تلك المهارات التي لا تدرس في كتاب، لكنها تحكم جودة أعمارنا في العمق. لا نتعلم في المدرسة كيف نتعامل مع الفشل دون أن ننهار أو نحتقر أنفسنا، تسقط التجارب أكثر مما تقوم، ومع كل سقطة إما أن نتورط في عار صامت، أو نكتسب حكمة جديدة للصبر وإعادة المحاولة. لا تدرس في جداولنا الدراسية مادة «فهم الذات»، نعرف أسماء الدول وعواصمها، لكننا لا نعرف خريطة قلوبنا، ما الذي يبهجنا حقاً؟ ما الذي يستنزفنا؟ ما الحدود التي تحمينا؟ كثيرون يدخلون الجامعة ثم سوق العمل وهم غرباء عن أنفسهم، يختارون تخصصاً إرضاء لتوقعات العائلة، أو يقبلون بعلاقات خانقة خوفاً من الوحدة، لأن أحداً لم يعلمهم الإصغاء لصوتهم الداخلي دون شعور بالذنب. ثمة مهارات أخرى تركت للصدفة، كيف نختلف دون أن ننقلب أعداء، كيف نعبر عن حزننا دون خجل، كيف ندير مالنا بحيث لا نغرق في الديون ولا نستعبد بالمظاهر، هذه كلها ليست ترفاً، بل أدوات بقاء نفسي واجتماعي، غيابها يجعل المجتمعات مليئة بأجساد متعلمة وعقول مرهقة، تعرف الحلول في الورق وتتعثر بها في الواقع.
يقول الفيلسوف الإسباني جورج سانتايانا: «الطفل الذي اقتصر تعليمه على المدرسة هو طفل لم يتعلم»، الحل ليس في اتهام المدرسة وحدها، فهي إطار محدود بوقته ومناهجه، بل في الاعتراف بأن التربية مشروع أوسع من الصف، يبدأ من البيت، ويمتد إلى الإعلام، والعمل، والمسجد، والمقهى، وكل مساحة يتكون فيها الإنسان، يمكن لكل أب وأم، لكل معلم وصاحب قرار، أن يضيف إلى يومه سؤالاً صغيراً، أي مهارة حياتية ساعدت طفلاً اليوم على اكتسابها؟ وربما يمكن لمدارسنا أن تفتح نوافذ صغيرة، حلقات نقاش، حصصاً للحوار، مساحات للتطوع، فرصاً حقيقية للتجربة والخطأ تحت سقف آمن. لن تصلح مادة واحدة كل شيء، لكن الاعتراف بنقص -مناهج الحياة- خطوة أولى، حين نعامل المرء كإنسان كامل، لا كوعاء معلومات، نمنحه ما هو أثمن من الشهادة، قدرة أهدأ على العيش، وحرية أوسع في أن يختار طريقه وهو أقل خوفاً وأكثر وعياً.