الحسين الزاوي
تعود أهمية الحديث عن معضلة الحوكمة، إلى الأزمات الكبرى التي تشهدها الدول في الشمال والجنوب على حد سواء، من أجل المحافظة على استقرار مجتمعاتها، نتيجة لعجز النخب السياسية الحاكمة عن تدبير الشأن العام، الأمر الذي ينجم عنه تحوّل الاختلافات بين الأفراد والمجموعات إلى صراعات ومواجهات بنيوية مزمنة تهدّد استمرارية الكيانات الوطنية. ومن الواضح أن صفة المعضلة التي يمكن أن ننعت بها الحوكمة، ناجمة عن أننا نتحدث في سياق هذا المفهوم عمّا يجب أن يكون في مقابل ما هو كائن أو متحقق على أرض الواقع، وبخاصة أنه كلما اتسع نطاق الأزمات توسّعت معها الهوة بين ما يتطلبه النموذج المثالي وبين ما يفرضه الواقع المعقد من تحديات، بالنسبة لمجموع النخب التي تتكفل بمهام الإدارة والتسيير.
يذهب جان فرانسوا دورتيه في قاموسه، إلى أن جذر هذا المصطلح مرتبط بمفهوم الحكومة، وبينما تشير هذه الأخيرة إلى تصور تراتبي وممركز للسلطة، فإن الحوكمة تحيل إلى نوع من السلطة اللامركزية التي يتقاسمها عدد من الفاعلين العامّين أو الخاصّين، رسميين أو لا شكليين، سواء كانت لهم علاقة بالمؤسسات أم بالمجتمع المدني، وهذا ما يجعل هذا المفهوم يرتبط بفكرة الذكاء الاجتماعي أو بفكرة الشبكة الاجتماعية، وتوحي الحوكمة بوجود قيادة متطوّرة في عالم يتميّز بالتعقيد وعدم اليقين. ويتجلى المفهوم على عدة مستويات: محلية في سياق الديمقراطية المباشرة، وطنية ترتكز على مؤسسات قوية ذات تمثيل واسع لمجموع السكان، وعالمية وفق ما تدعو إليه المنظمات الدولية، ويظل الرهان الأساسي للحوكمة بصرف النظر عن اختلاف التصورات، هو توجيه الفاعلين ودفعهم إلى التعاون حتى وإن كانت مصالحهم مختلفة أو متناقضة.
يتساءل آلان مانك من جانبه عمّا إذا لم يكن مفهوم الحوكمة هو الاسم الجديد للسلطة في تجلياتها الراهنة؟ فقد دخل هذا المصطلح فجأة إلى مجال التداول العام، وأصبح جزءاً من معجمية ممارسة السلطة، ويشير إما إلى وصف جهاز أو تنظيم تابع للسلطة أو إلى طريقة أو أسلوب ممارسة السلطة.
وإجمالاً فإن الحوكمة تعني في السياق العام المتداول على نطاق واسع مجموعة السياسات والمبادئ المنظِّمة التي تستخدمها المؤسسات والتنظيمات المختلفة لإدارة أعمالها بنجاح، بناءً على جملة من الأهداف من أهمها: التوجيه المستند إلى استراتيجيات واضحة وبعيدة المدى، الشفافية وإخضاع مجمل النشاطات للمساءلة القانونية، توقّع المخاطر المحتملة والاستعداد للتعامل معها بفاعلية، تطوير أساليب ومناهج التسيير والإدارة، الحرص على التوازن بين الدفاع عن الحقوق وحمايتها ودفع مختلف الفاعلين إلى الالتزام بواجباتهم. ويظل التحدي الأكبر للحوكمة مرتبطاً بالمجال الحكومي الذي يجعل الدول الوطنية تواجه في الشمال والجنوب، تحديات غير مسبوقة تتسبب في إثارة نقاشات حادة بشأن مستقبل الأنظمة السياسية المعتمدة في تسيير مؤسسات الدول.
وعليه فإن التحديات التي تواجهها الحوكمة على مستوى التسيير الحكومي للدول يؤثر بشكل مباشر على حوكمة المؤسسات الاقتصادية وعلى مشاريع تطوير الحوكمة العالمية، للأسباب التي سنذكر بعضها في هذه العجالة، فدول الجنوب تعاني في مجملها لاسيما في قارتي إفريقيا وأمريكا الجنوبية- من غياب شبه كامل لقواعد الحوكمة، الأمر الذي يؤدي إلى تحوّل العديد من الدول إلى دول فاشلة وعاجزة عن ضمان الأمن لمواطنيها، وعن بناء نسيج اقتصادي قادر على توفير سبل العيش الكريم لشعوبها، كما نلاحظ ذلك في دول الساحل الإفريقي على سبيل المثال لا الحصر.
أما في دول الشمال التي ظلت تمثل خلال العقود الماضية نموذجاً للحوكمة الناجحة، فإن العديد منها بات يواجه أزمات سياسية واقتصادية غير مسبوقة، أسهمت في تزايد نزعة التشدّد والانغلاق لدى أحزاب اليمين المتطرف التي تتخوف من تزايد أعداد المهاجرين وتدعو إلى اعتماد سياسات إقصائية وعنصرية معادية للأجانب، ويبدو هذا جلياً في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وفي معظم الدول الأوروبية. كما أن الولايات المتحدة التي تأسست أصلاً على موجات الهجرة المتكرّرة، نجدها تعيش حالة تراجع واضح في مستوى الحوكمة بسبب نزوع السكان البيض إلى التضييق على باقي العرقيات من دون مراعاة قواعد الحكم الرشيد.