عبدالله السناوي

تزايدت على نحو لافت تسريبات أمريكية عبر مواقع وصحف نافذة، تمثل تطوراً استراتيجياً بالغ الخطورة في الشرق الأوسط وفق تسريبات متواترة فإن الإدارة الأمريكية تتجه إلى إنشاء قاعدة عسكرية تتسع لآلاف الجنود في غلاف غزة.
البيت الأبيض لم ينفِ الخبر ولا أكده، قال نصاً: «لم تتم المصادقة عليه». «إن أي خطط بهذا الشأن لا تزال قيد النظر ولا ينبغي اعتبارها خطوة رسمية».
المعنى أن المشروع حقيقي استكمل دراساته ومقوماته ومصادر تمويله، لكنه ينتظر الإقرار والتصديق، هذا بذاته انقلاب استراتيجي على أولويات وتوجهات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ينعكس بالضرورة على حسابات كافة الأطراف الإقليمية والدولية.
أثناء حملته الانتخابية لولاية ثانية دأب ترامب على القول: «لو كنت موجوداً ما نشبت الحرب في أوكرانيا ولا جرت أحداث السابع من أكتوبر»، وفي ولايته الأولى هاجم بضراوة التوسع في الإنفاق العسكري مندداً بتكاليف حلف «الناتو» على الموازنة الأمريكية،
تبنى خيار سلفيه باراك أوباما وجو بايدن بنقل مركز الثقل الاستراتيجي من الشرق الأوسط إلى الشرق الأسيوي عند بحر الصين الجنوبي حيث الصراع على المستقبل محتدماً مع القطب الصيني الاقتصادي، غير أن ذلك لم يحدث بالصورة، التي خططوا لها.
أثبت الشرق الأوسط بأزماته وحروبه ومصادر الثروة فيه أنه لا يمكن الاستغناء عنه، أو الخروج منه.
مشروع القاعدة العسكرية في غلاف غزة هو إعادة تمركز وانتشار للقوة الأمريكية في المنطقة بنفس البقعة التي شهدت عملية السابع من أكتوبر (2023).
السياق العام يتجاوز غزة وحروب الشرق الأوسط إلى العالم كله، إنها العسكرة المفرطة، التي تمتد من فنزويلا في البحر الكاريبي ونيجيريا على الساحل الغربي لإفريقيا، إلى قلب الصراع في الشرق الأوسط بفلسطين ولبنان وسوريا.
أهم استنتاج ممكن أن قاعدة غلاف غزة تدخل في سيناريوهات ما بعد انهيار اتفاق غزة لوقف إطلاق النار، الاتفاق هش والانهيار محتمل حسب التقديرات الأمريكية في تسريبات أخرى متزامنة. هذا نوع من الاعتراف بعجز إسرائيل عن حفظ أمنها بنفسها.
استهدفت خطة ترامب، بنقاطها العشرين، إنقاذ إسرائيل من عزلة دولية بدأت تحكم قبضتها على مستقبلها، أو تمكينها بالتفاوض عما عجزت عنه بالحرب.
بنظرة أولى، التمركز العسكري الأمريكي يناقض خطته، التي تنطوي على ترتيبات سياسية وأمنية لليوم التالي تمكن إسرائيل مما تسميه حفظ أمنها بنزع سلاح «حماس» وإنشاء قوات دولية يجري التفاوض عليها تتولى مهمة فرض الاستقرار، مشروع القاعدة العسكرية أقرب إلى سيناريو بديل إذا ما تقوض اتفاق غزة لتلبية الذريعة نفسها، حفظ الأمن الإسرائيلي.
بنظرة ثانية، فإنها تستهدف حماية إسرائيل بالنيابة، أو بصياغة أخرى فرض الوصاية الكاملة عليها، إنه نفس الهدف بوسائل أخرى.
حسب أحدث استطلاع فإن (69%) من الإسرائيليين يرون أن الولايات المتحدة أصبحت صانعة القرار الرئيسية في العمليات العسكرية. حسب تدقيق لصحيفة «يديعوت أحرونوت» فإن القاعدة المقترحة سوف تخصص للقوات الدولية، التي يفترض أن يقرها مجلس الأمن الدولي، بتكلفة تبلغ نصف المليار دولار، هذا انقلاب تاريخي آخر حيث كانت إسرائيل تتولى بنفسها هذه المهام.
منذ حرب (1967) سادت نظرة متفائلة في أوساط الدولة العبرية بقدرتها على ردع دول الجوار العربية كلها من دون حاجة إلى تدخل عسكري أمريكي مباشر.
في حرب أكتوبر 1973 كادت إسرائيل أن تنهار عسكرياً أمام موجات الهجوم بالأيام الأولى لولا التدخل الأمريكي بإمدادات سلاح متلاحقة.
بعد خمسين سنة تعرضت إسرائيل لانكشاف عسكري واستخباراتي آخر بأحداث السابع من أكتوبر (2023).
مكمن الخطورة في تلك الأحداث أنها جرت داخل الأراضي المحتلة، لا خارجها.
وفرت الولايات المتحدة كل ما تحتاجه إسرائيل من دعم سياسي واستراتيجي لعملياتها العسكرية، التي توحشت على جبهات عدة من دون أن تحقق كامل أهدافها المعلنة.
توفير الحماية الاستراتيجية من جهة وفشل حكومة بنيامين نتنياهو في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب أفضيا معاً إلى فرض الوصاية الأمريكية على إسرائيل.
بمقتضى الوصاية أدخل على مشروع القرار الأممي تعديلات لا تناسب اليمين الإسرائيلي المتطرف، ولا تتسق مع سرديته، أهمها الإشارة إلى مسار يفضي إلى حق تقرير المصير للفلسطينيين وإنشاء دولة فلسطينية.
هذا مسار إجباري، إذ لا مخرج آخر للأزمة الإسرائيلية المستحكمة. يؤشر هذا المسار على مقاربات أخرى أكثر انسجاماً مع القرارات الدولية، لكنه يصعب التعويل عليه، كما على خطة ترامب نفسها.
بعد أكثر من شهر على إعلان شرم الشيخ لم تتوقف عمليات القصف واستهداف المدنيين العزل في قطاع غزة.
كانت قضية رفات القتلى الإسرائيليين متكأً للخروقات المتكررة، لا يتوقع أي توقف إسرائيلي عن الخروقات رغم تسلمها رفات جنودها كلهم باستثناء ثلاثة. سوف تبحث عن ذرائع أخرى حتى لا تدخل المرحلة الثانية من خطة ترامب، التي تقتضي انسحاباً إسرائيلياً أوسع.
السيناريوهات كلها مغلقة وخطرة وتستدعي أن يكون هناك صوت عربي موحد بقدر ما هو ممكن يضغط على الوصي الأمريكي حتى لا تنفرد إسرائيل بالضحية الفلسطينية.