أليس من الملاحظ أننا في هذا العصر نكتب أكثر مما نتحدث، ونرسل أكثر مما نصغي. في زمن الرسائل السريعة، أصبح من الممكن أن نجري عشرات المحادثات في وقت واحد، دون أن نمنح أياً منها فرصة أن تتحول إلى لقاء حقيقي، الكلمات تتدفق على الشاشات، لكن الإصغاء كمهارة إنسانية عميقة يتراجع بصمت، كضوء خافت يبتلعه وميض الإشعارات.
كان الإصغاء يوماً فعل حضور، نجلس فيه أمام الآخر، ونرى تعابيره، ونفهم ما لم يقل، اليوم تختزل أغلب حكاياتنا في سطور سريعة، ووجوه صفراء تعبر نيابة عنا عن الدهشة والحزن والضحك، نرد قبل أن نفهم، ونكتب إجابة قبل أن تكتمل في أذهاننا أسئلة من نخاطبهم؛ لأن الإيقاع السريع لا يسمح لنا بالتريث. الرسائل الفورية أعطتنا وهماً مزدوجاً، أننا دائماً مرتاحون، وأننا دائماً مفهومون، لكن الحقيقة أن التوفر لا يعني الحضور، وأن سرعة الرد لا تعني عمق الفهم. كثير يشكون اليوم من شعور غريب بالوحدة، رغم امتلاء هواتفهم بالمحادثات، ليس لأنهم لا يجدون من يتكلمون معه، بل لأنهم لا يجدون من يصغي بحق، من يترك مساحة لصمتهم، لتعثرهم في التعبير، لتناقضهم البشري الطبيعي. التقنية في حد ذاتها ليست متهمة، لكنها كشفت ميلاً بداخلنا إلى الهروب من ثقل الإصغاء.
الإصغاء يتطلب صبراً، وتواضعاً، واستعداداً لأن نعلق حكمنا قليلاً، وأن نسمح لقصة الآخر أن تمر من خلالنا دون أن نقاطعها بأنفسنا، أما الرسائل السريعة، فتمنحنا مقعداً مريحاً على الطرف الآخر من الشاشة، نختار ما نقرأ، نتجاوز ما يثقل علينا، ونكتفي أحياناً بـ«إيموجي» كتعويض رخيص عن كلمة حقيقية أو سؤال عميق. فقدان فن الإصغاء لا يضر فقط بالعلاقات، بل يضر بنا نحن أيضاً، حين لا نصغي للآخرين، نفقد فرصة أن نتعرف إلى عوالم غير عالمنا، وإلى زوايا جديدة للحياة لم نجربها، وحين لا نتدرب على الإصغاء للناس، يقل استعدادنا للإصغاء لأنفسنا أيضاً، تصبح مشاعرنا ضوضاء داخلية نسكتها بالتشتيت، بدل أن نفهم ما وراءها.
ربما يمكننا أن نستعيد شيئاً من هذا الفن، لا بإعلان الحرب على الرسائل الفورية، بل بإعادة تعريف طريقة استخدامها، أن نختار بعض المحادثات لنمنحها وقتاً أطول، أن نسمح لأنفسنا بحوارات لا تقاس بجودة الاتصال، بل بعمق الإنصات.
الإصغاء في زمن السرعة
18 نوفمبر 2025 00:16 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 نوفمبر 00:16 2025
شارك