الشائع أن السياسة في جوهرها عمل غائي، وأن على ممارسيها أن يسلكوا ما شاؤوا من سبل، من أجل تحقيق غاياتهم، مع غض النظر عن نُبل الوسائل ونزاهة التصرفات وسلامة التحالفات والعلاقات.
وغالباً ما يفصل المهتمون بالسياسة هذه القيم، أي النبل والنزاهة وسلامة المقصد، عن الساسة والدول ويرونها قيماً بشرية ترتبط في الأصل بالأفراد والمجموعات الاجتماعية، وحتى الشعوب في عمومها. ومن هنا، تنشأ الريبة في التصرفات السياسية من أبسطها إلى أعقدها، وإن لم تكن تحتمل التأويل أو الشك، ومن غير أن تشوهها الأغراض والأحقاد، وهذا ما يجعل عبء إثبات النوايا والدفاع عنها عملاً أساسياً من أعمال أية دولة تتولى ممارسات وتصريحات مسؤوليها أو تتكفل بها أجهزتها الإعلامية.
لذلك، تتعقد مهمة الدول التي تنبني تحركاتها على الاستقامة السياسية، وتصبح كالأفراد الذين يتحركون في محيط ملتبس ومغلّف بالشك ويجدون أنفسهم مطالبين مع كل كلمة أو تصرف بالدفاع عن أنفسهم، وكأن أصل الأشياء أصبح الاستثناء.
قدر الدول المستقيمة سياسياً أن تكون دوماً في قلب الهجوم، وليس لها أن تيأس، مثلما يفعل الأفراد، من إثبات سلامة مقاصدها ونزاهة غاياتها، ولا أن تنسحب من ميادين المواجهة مع تصريحات التشكيك، سواء نتجت عن عفوية أفراد أو سوء فهم الرأي العام، أو وقفت وراءها مجموعات تنشط، عن قصد، في قلب الحقائق وليّ عنق الكلمات والأفعال لتخلص إلى نتائج تخدم مصالحها الشيطانية ومن يدفع لها.
الاستقامة السياسية سمعة بعض الدول، لكن هذه السمعة لا تكفي وحدها، فميادين المواجهة مع «جماعات الشر» تتسع، ووسائل بث سمومها تتطور، والمخدوعون في خطاباتها، نكاية في أي سياسي أو تعاطفاً معها أو انتماءً لها، قد يتزايدون في فترات معينة.
من هنا، تجد هذه الدول نفسها مأخوذة إلى حالة مستمرة من الشرح وبيان ما تتأسس عليه مواقفها وانحيازاتها في العمل السياسي. في عصر التشويش والتشويه والتضليل، لم تعد الأفعال كافية، وهذا تحدٍّ جديد أمام مدرسة الاستقامة السياسية، فمواجهة خطاب جماعات الفوضى أصبحت قدراً لا مفر منه، ولم يعد بوسع الدول التي تتبع هذه المدرسة أن تغض الطرف عن الإساءات إذا كانت متعمدة، ولا التشويهِ القائم على خلط الأمور واستغلال الأوضاع الإنسانية في أية بقعة لتبرئة مرتكبيها الحقيقيين ونسبتها إلى غيرهم.
إن الحقائق، للأسف، في عصر لا ذاكرة له ولا أخلاقيات تحكم كثيراً من ممارساته، هي الحلقة الأضعف في أحيان كثيرة، والأحوج إلى جهد ووقت لتضيء فهم من تلتبس عليه بعض الأمور، خاصة مع تسارع المعلومات وتشابكها بغير فحص، فما بالنا بمن يسخّر كل جهده لقطع الطريق على هذه الحقائق وتبديدها في الفضاءات المفتوحة العصية على الضبط أو المحاسبة؟!
الاستقامة السياسية المستقرة طويلاً لم تعد كافية، لذلك، فإن الاحتماء بها وحدها لا يجدي، ومواجهة أعدائها معركة حتمية.
الاستقامة السياسية
18 نوفمبر 2025 00:42 صباحًا
|
آخر تحديث:
18 نوفمبر 00:42 2025
شارك