يونس السيد

يعكس الحضور الأمريكي القوي في ما يتصل بالقرارات الإسرائيلية حول غزة تغييراً لافتاً في العلاقات بين الجانبين، يحمل معه بوادر مرحلة جديدة في هذه العلاقات التي استمرت لعقود طويلة بعيدة عن متناول النقد، وتطرح سؤالاً عما إذا كان الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يعد شيكاً على بياض.
ينظر إلى الأصوات المتعالية في الداخل الإسرائيلي والانتقادات الحادة التي توجه للمستوى السياسي على أنها تفريط باستقلالية القرار السياسي والأمني لصالح ما تعتبره إملاءات أمريكية. وبالنظر إلى مصالح كلا الطرفين، يرى محللون إسرائيليون أنها تعبّر عن حقيقة التباعد في المواقف الأمريكية الإسرائيلية حول مجريات الأحداث في غزة والمنطقة بكاملها. إذ من الواضح أن إدارة ترامب باتت تمسك بكل الخيوط المتعلقة بملف غزة على المستويين السياسي والأمني، وتترك لإسرائيل هامشاً ضيقاً من المناورة، إلى الحد الذي بدأت صورتها تظهر كمتلق لتعليمات أكثر منها كصانع للحدث كما اعتادت طوال السنوات الماضية. ويمكن ملاحظة ذلك في الخلافات القائمة بين الجانبين حول الانتقال للمرحلة الثانية من اتفاق غزة، والدور الذي بات يلعبه مركز التنسيق المدني والعسكري الأمريكي الذي أقيم مؤخراً في غلاف غزة، والذي بات ينفذ تعليمات القيادة الأمريكية من دون الرجوع في كثير من الأحيان إلى الجانب الإسرائيلي. ومن ذلك مثلاً، كما يقول المحللون، قضية إعادة إعمار المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في القطاع، من دون انتظار الأولويات الإسرائيلية، ممثلة في تجريد قطاع غزة من السلاح، وحسم قضية إدارة الحكم وانتشار «القوة الدولية» وصلاحياتها والتفويض الممنوح لها. كما يتضح هذا الدور في الضغط لإيجاد حل لخروج المقاتلين الفلسطينيين العالقين في رفح، والسعي لتنسيق دخول المساعدات إلى القطاع.
ولعل أحدث مظاهر هذه الخلافات يتجلى في فشل إسرائيل في شطب قيام «دولة فلسطينية» من النص الذي اعتمده القرار الأمريكي في مجلس الأمن، رغم الضغوط الإسرائيلية الهائلة التي مورست في هذا المجال. وهناك أيضاً قلق إسرائيلي عبّر عنه مسؤولون إسرائيليون من إمكانية التقارب بين إدارة ترامب وحركة حماس، وما يتردد عن لقاء مباشر مرتقب بين المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف وقياديين من الحركة، الذي قد يفضي إلى نتائج تتعارض مع الأولويات والرغبات الإسرائيلية.
كل هذه العوامل دفعت المراقبين للحديث عن خلافات جوهرية بين واشنطن وتل أبيب، تحكمها المصالح الأمريكية في المنطقة أولاً، والرغبة في إقامة سلام دائم لحماية هذه المصالح ثانياً، وأيضاً انطلاقاً من النظرة الأمريكية التي ترى في ذلك حماية لإسرائيل وأمنها على المدى البعيد. لكن، بالمقابل، هناك خشية أمريكية عبّر عنها الكثير من المحللين، من أن تعمد إسرائيل إلى الانقلاب على خطة السلام الأمريكية، والذهاب إلى خيار استئناف الحرب، كما تشي التصريحات الإسرائيلية الأخيرة، في تطور لا أحد يمكنه التكهن بنتائجه.