د.عمرو منصور*

في زيارة امتزجت فيها الدلالات السياسية بالتطلعات الاقتصادية، استقبل الرئيس شي جين بينغ في بكين، يوم الثلاثاء الماضي، الملك فيليب السادس وذلك في زيارة هي الأولى له للبلاد بعد توليه العرش، والأولى لعاهل إسباني إلى الصين منذ 18 عاماً، التي توجت جهود الزيارات المتبادلة التي قادها رئيس الوزراء بيدرو سانشيز ونائب الرئيس الصيني هان تشنغ.
تبارت القيادتان في استغلال الزيارة لتمرير العديد من الرسائل، فيبدو حرص الملك فيليب على إتمامها بمناسبة حلول الذكرى ال20 لتأسيس الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، تعبيراً عن القيمة المهمة التي تحتلها الصين في الأجندة الإسبانية، في تناغم مع مكانتها الراهنة في الساحة الدولية. بينما لم يتوان الرئيس شي في تأكيد الأهمية البالغة لهذه الزيارة على مستقبل التعاون بين البلدين، ووصفه العلاقات الثنائية بأنها نموذج يُحتذى لعلاقات ودية بين الدول ذات الخلفيات والأنظمة الاجتماعية المختلفة، وذلك في إشارة إلى البراغماتية التي تأسست عليها وأن هناك آفاقاً واعدة لتطورها.
علاوة على ذلك يأتي تأكيد الملك فيليب شخصياً على التزام بلاده بسياسة صين واحدة كنوع من «الغزل السياسي» الذي سيحظى بتقدير كبير من قبل القيادة الصينية ما يمنح مدريد مزيداً من البدائل والمرونة الحركية في مواجهة خلافها الحالي مع الولايات المتحدة بشأن أزمة التعريفات الجمركية ورفضها زيادة نسبة إنفاقها الدفاعي في إطار حلف الناتو. بالمقابل، ستجد القيادة الصينية في تأكيد الملك الإسباني التزام بلاده بسياسة «صين واحدة» اختراقاً سياسياً بارزاً يدعم موقفها بشأن تايوان داخل أروقة صناعة القرار في المؤسسات الأوروبية والدولية في ظل تأرجح سياسات الدول الأوروبية الكبرى تجاه القضية الأكثر حساسية للصين في أمنها القومي وسياستها الخارجية.
ولم تخل زيارة العاهل الإسباني من النتائج الاقتصادية، حيث أسفرت عن توقيع 10 وثائق تعاون في مجالات التجارة والاقتصاد والعلوم والتكنولوجيا والتعليم، وغيرها، فضلاً عن إفصاح الرئيس شي عن خطط بلاده لاستيراد المزيد من المنتجات ذات الجودة من إسبانيا وتمديد سياسة إعفاء مواطنيها من تأشيرة الدخول.
وتأمل إسبانيا بعد هذه الزيارة التاريخية تدفقاً أكبر للاستثمارات الصينية وأن ترتقي في موقعها داخل ساحة الشراكات الصينية مع دول الاتحاد الأوروبي، بدلاً من احتلالها المركز الخامس في قائمة الشركاء التجاريين بحجم تبادل 50.1 مليار دولار، كما تهدف إلى تعديل الميزان التجاري بين البلدين وزيادة صادراتها البالغة 9.2 مليار دولار استغلالاً للسوق الصيني الكبير الذي يمكن أن تجد فيه بديلاً لسوق أمريكي غير مستقر في ظل تهديدات الرئيس ترامب بفرض المزيد من التعريفات الجمركية.
بينما أشار الرئيس شي إلى مجالات مثل الطاقة الجديدة والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، والاستكشاف المشترك لأسواق الطرف الثالث، مثل أمريكا اللاتينية، باعتبارها مجالات مرشحة للتعاون بينهما. وهو طرح يتسق مع أولويات الاقتصاد الصيني والسعي للاستفادة من الترابط التاريخي بين إسبانيا وأمريكا اللاتينية لتأسيس تعاون ثلاثي مشترك.
يبدو أن المعطيات الراهنة وغياب موقف أوروبي موحد لمواجهة الضغوط الأمريكية حفزت إسبانيا لاتخاذ قرارها بالتوجه شرقاً حيث تحظى من خلاله بترحيب صيني واسع ومنافع اقتصادية أكبر.

*باحث سياسي في الشؤون الصينية

[email protected]