لسنوات طويلة، كانت السعادة تروى في الحكايات أكثر مما تقاس، وتعاش، نسمع عنها في القصص والكتب، كحالة مثالية نصل إليها يوماً ما، ثم نستقر فيها إلى الأبد. اليوم، يدخل العلم على الخط، يحمل أجهزة قياس، واستبيانات، وتجارب طويلة، ليقول لنا: السعادة ليست لغزاً كاملاً، بل حالة يمكن فهمها، تتبع أنماطاً وتخضع لعوامل يمكن دراستها وتعديلها.
هنا تولد فكرة «السعادة المعدلة»، سعادة لم تعد مجرد حلم شعوري، بل مشروع يمكن العمل عليه بالأبحاث في علم النفس الإيجابي. وعلوم الدماغ أشارت إلى أن للسعادة مكوناً بيولوجياً نسبياً، ما يسمى بـ «نقطة التوازن»، وهو مستوى عام من الرضا يميل الإنسان إلى الرجوع إليه بعد الأحداث الكبيرة، سواء كانت مفرحة أو موجعة، كأن النفس تملك حرارة داخلية تعود إليها بعد ارتفاع أو انخفاض، هذا لا يعني أن محاولاتنا لتحسين حياتنا بلا جدوى، لكنه يذكرنا بأن السعادة ليست دائمة، بل حالة متغيرة تتأثر بما حولنا، ثم تعود إلى متوسط معين يتشكل من شخصياتنا، وتجاربنا، ونظرتنا لأنفسنا، والعالم.
العلم أيضاً كشف لنا خدعة كان كثير يعيشون أسرى لها: التعود. ما ننتظره لسنوات: ترقية، زواج، بيت، سفر، يرفع مشاعرنا لفترة، ثم يصبح جزءاً عادياً من الحياة، تسمى هذه الظاهرة «التكيف المتدرج»، كل نعمة جديدة تتحول بمرور الوقت إلى خلفية صامتة، ما لم نتعلم أن نراها من جديد، هذا الفهم العلمي يحررنا قليلاً من وهم «سأكون سعيداً حقاً عندما...»، نعم، الإنجازات مهمة، لكنها ليست ضماناً لسعادة دائمة كما نتخيل.
في المقابل، تشير دراسات كثيرة إلى أن عناصر تبدو بسيطة، مثل عمق العلاقات الإنسانية، والشعور بالمعنى، وممارسة الامتنان، والقدرة على مساعدة الآخرين، لها أثر أعمق في السعادة من كثير من الأشياء البراقة التي نسعى إليها، كأن العلم يقول لنا: السعادة ليست فقط في ما نمتلكه، بل في الطريقة التي ننظر بها لما نمتلكه، وفي من نشركه معنا.
يمكننا أن نستفيد من العلم لنعتني بنومنا، بحركتنا، بعلاقاتنا، بطريقة حديثنا مع أنفسنا، نمارس الامتنان لا كواجب ثقيل، بل كنافذة نطل منها على ما لم نعد نراه، نخفف من المقارنات، نختار ما نتابعه، ونسمح لأنفسنا أن نكون «عاديين» في عالم يحتفي بالمبالغة.
السعادة في عالم المبالغة
23 نوفمبر 2025 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 نوفمبر 00:07 2025
شارك