قبل أن نتحدث عن تربية أبنائنا، ربما نحتاج إلى أن نتوقف قليلاً، ونتساءل «هل نحن فعلاً نربي أبناءنا، أم أن عيوبنا غير المحسومة، هي التي تتكفل بالمهمة فتنساب إليهم دون وعي في شكل كلمات، وردود أفعال، وقرارات يومية؟».
كُثر يدخلون عالم الأبوة والأمومة محملين بنية صادقة: «لا أريد لأولادي أن يكرروا أخطائي»، لكن هذه الأمنية تبقى مجرد شعار، إذا لم ترافقها جرأة على مواجهة الذات، فالأب الذي لم يتصالح مع غضبه، سيكرره بصوت أعلى أو سيكتمه حتى ينفجر، والأم التي لم تشف من خوفها الدائم من رأي الناس، ستورث أبناءها هذا القلق في كل نظرة وتعليق، حتى لو لم تقل كلمة مباشرة.
الفيلسوف الصيني كونفوشيوس لخص جوهر هذه الفكرة حين قال عبارته المشهورة من كتاب الرسالة العظمى «Da Xue»: «أصلح نفسك، ثم أعد بيتك (عائلتك)...» إلخ. هذه المقولة كأنها ترتب الأولويات عند من يرغب بالإصلاح، فلا يمكن لأب أن يصلح عائلته قبل أن يصلح نفسه، فما لم نصلح داخلنا، سنظل نعيد إنتاج الأخطاء نفسها، مهما غيرنا في أساليب التربية أو كثرت النصائح.
تربية النفس، قبل الأبناء لا تعني أن نصبح كاملين قبل أن ننجب، فهذا مستحيل، لكنها تعني أن نعترف بأن أبناءنا سيتعلمون من خلالنا أكثر مما يسمعونه منا، إن الوعي الذاتي هنا يشبه المرآة التي نضعها أمام أنفسنا قبل أن نضعها أمامهم، نسائل ردود أفعالنا، لماذا صرخت في تلك اللحظة؟ لماذا استهنت بمشاعره؟ لماذا شعرت بالتهديد من سؤال بسيط؟ هذه الأسئلة لا تغير الماضي، لكنها تمنحنا فرصة ألا نعيده مرة أخرى بالطريقة نفسها.
الأطفال لا يحتاجون إلى آباء بلا أخطاء، بل إلى آباء يعترفون بأخطائهم، حين يعتذر الأب من ابنه لأنه قسا في موقف ما، يتعلم الطفل أن الاعتذار لا ينقص من القيمة، حين تعترف الأم لأنها كانت متوترة وأن توترها انعكس عليه، يتعلم أن المشاعر يمكن فهمها وتسميتها بدل قمعها. الوعي الذاتي يحول حتى اللحظات الصعبة إلى مادة تربوية، بدل أن تتحول إلى ندبة صامتة في ذاكرة الطفل.
إصلاح النفس، قبل الأبناء رحلة مستمرة، تبدأ من قرار بسيط، مراقبة النفس، وألا أراقب أبنائي فقط، أن أعتبر كل احتكاك بيني وبينهم فرصة لأتعرف إلى جزء في داخلي لم ينضج بعد، حينها، تصبح التربية مشروعاً مشتركاً، نكبر نحن وهم في الاتجاه نفسه، لا على حساب بعضنا.
مسار نمشيه معاً
24 نوفمبر 2025 00:03 صباحًا
|
آخر تحديث:
24 نوفمبر 00:03 2025
شارك