وليد عثمان
لا تحمل الإضافة التجريبية الجديدة في موقع «إكس»، أي إمكانية لمعرفة الموقع الجغرافي للمستخدم، أكثر من قول المنصة إن الهدف منها توفير مزيد من الشفافية والحد من الحسابات الوهمية. وبعيداً عن هذا البعد التقني، تحيل الإضافة إلى شيء من إعادة الاعتبار إلى قيمة المسؤولية القانونية والأخلاقية في التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي التي استقر بعد ممارسة طويلة أنها أصبحت، في غالب الأحوال، منصات فتنة ووقيعة بين الأفراد والدول وتزييف للمعلومات واختلاق الحقائق أو تشويهها، لا عن جهل أو اندفاع فقط، بل أيضاً عن قصد.
هذا التوظيف الخطر العمدي لوسائل التواصل، ومنها بالطبع «إكس»، أو «تويتر» سابقاً، هو الذي مكّن ما يعرف ب «الذباب الإلكتروني»، أو اللجان في توصيف آخر، من أن تستبيح كل شيء، بدءاً من تبادل الشتائم بين الأفراد مروراً بالإساءة إلى مجموعات اجتماعية ودول وزعامات، وإحداث الفُرقة بين مكونات الوطن الواحد والإقليم الواحد والدين الواحد، فما بالنا بما يحدث مع المختلفين في الرأي أو المعتقد أو الموقع الجغرافي؟ ومما قوّى تأثير «الذباب الإلكتروني»، أو اللجان، صعوبة محاسبة أعضائها، إما لعدم معرفة هوياتهم الحقيقية أو تزييفهم مواقع وجودهم، وبالتالي عجز القوانين عن مساءلتهم بعدما تبين أن ادعاء وجودهم في دول بعينها غير حقيقي.
ورأينا جميعاً كيف تبدت أخطار ذلك في وقائع كثيرة خلال الفترة الماضية، وكيف أن حروباً إلكترونية اشتعلت بين المختلفين حول أي موضوع في الرياضة أو السياسة أو الفن أو ما هو أقل أهمية من ذلك. والأخطر أن مجموعات حوّلت هذا الاختلاف إلى مناوشات وإساءات باسم دول مدعية الانتساب إليها ومحتمية بوضع أعلامها أو صور لمعالمها ورموزها. ورغم التحذير طويلاً من مغبة ذلك، وتدخل العقلاء، خاصة حين يتحول الأمر إلى تراشق بين دول شقيقة، فإن أصحاب المصلحة في استمرار هذه الحروب استمروا في تأجيجها وصنفوها، زوراً، في باب الدفاع عن الوطنية أو العروبة أو الإسلام، رغم أن بعضهم يختبئ في دول غير عربية أو لا يغلب على سكانها المسلمون.
لذلك، فإن ما فعله «إكس» مثّل تعرية لمثل هذه الأفعال، فاختفت على الفور جحافل «الذباب الإلكتروني»، خاصة المنتمية لجماعات العنف والتكفير، واتضح أن كثيراً من الناعقين بالعربية على المنصة لا صلة لهم بالعروبة، والأهم أن ما يمكن اعتباره شبكة تمركزهم أصبحت واضحة على خريطة العالم. والأهم أن نوعاً من الفرز الأخلاقي لسياسات الدول حدث فجأة، فبرأ دولاً كانت متهمة باحتضان هذا الذباب، وجعل أخرى في موقف لا تحسد عليه.
في الأمر أيضاً انتصار لفكرة المساءلة أو الردع بنوعيه الاجتماعي والقانوني، فالقدرة على التخفي، سواء بهوية زائفة أو موقع جغرافي مختلق، عززت أكبر سوءات وسائل التواصل وجعلتها حاضنة لما يصعب الإقدام عليه من جرائم في الواقع المحصن بقيمه وقوانينه.