طبيعة حياتنا محملة بالتلاقي والحوارات، وبالتصادم والاختلافات، وهذه جميعها جوانب مألوفة ولا غرابة فيها، وفي أحيان كثيرة ننتهي من حواراتنا الاعتيادية محملين بنية طيبة في أن ننصح ونساعد، لكن كلمة واحدة قد تشعل خلافاً، وملاحظة بسيطة قد تفسر كاتهام شخصي.
كيف تتحول النصيحة إلى هجوم؟ ولماذا أصبح كثيرون يتعاملون مع أي نقد، ولو بناء، كطعنة في الكرامة لا كفرصة للنمو؟ جزء من الحساسية المفرطة تجاه الملاحظات يعود إلى طريقة التربية، كثيرون كبروا في بيئات لا يفصل فيها بين الفعل والشخص، يسمع فيها الطفل: «غبي أنت؟» بديلاً عن «تصرفك لم يكن موفقاً»، يكبر الإنسان وهو يخلط بين الخطأ وقيمته الإنسانية، فيخاف من الاعتراف بتقصيره، لا لأنه لا يرى الخلل، بل لأنه يشعر بأن الإقرار به يعني تقليلاً من ذاته أمام الآخرين. على الجانب الآخر، لا ندرب بما يكفي على تقديم النقد بلغة تحفظ كرامة المتلقي، نلقي الملاحظات في العلن، أو نغلفها بسخرية، أو نقدمها ونحن في حالة غضب، ثم نستغرب لماذا تحولت النصيحة إلى معركة، أحياناً ليست المشكلة في فكرة النقد ذاتها، بل في نبرة الصوت، وتوقيت الكلام، ومقدار التعاطف المرافق له. يقول الفيلسوف الفرنسي فولتير: «قد أختلف معك في الرأي، لكني على استعداد لأن أدافع حتى الموت عن حقك في أن تقول رأيك»، هذه الروح، روح احترام الآخر مع الاختلاف معه، هي ما ينقص كثيراً من حواراتنا، النقد البناء لا يعني نفي الطرف الآخر، بل الاعتراف بحقه في أن يخطئ ويتعلم دون إهانة. ربما نحتاج أن نعيد تعريف النقد في وعينا، ليس حكماً نهائياً على الشخص، بل ضوء صغير يسلط على زاوية محددة من سلوكه، حين نتعلم أن نفصل بين «أنا» و«تصرفي»، سنستقبل الملاحظات بهدوء أكبر، وحين نتذكر، ونحن ننصح، أن أمامنا إنساناً له تاريخ من الجروح والخبرات، سنختار كلمات ألين، ومساحة أهدأ للحوار، عندها فقط يمكن أن تتحول النصيحة من هجوم إلى جسر، ومن مصدر خوف إلى أداة نمو مشترك.
نحن بحاجة لمهارة التعامل اليقظ، ومهارة الحذر الفطن، لتجنب التسبب في جروح لا مبرر لها في عمق وقلب إنسان مقرب منا، أو إنسان يرانا الشاطئ الآمن الذي يجدف نحوه عندما يصطدم بواقع الحياة القاسي.
بين النية والكلمة
26 نوفمبر 2025 00:44 صباحًا
|
آخر تحديث:
26 نوفمبر 00:44 2025
شارك