ما هي مآخذك على تاريخ تحليل الشعر العربي القديم، بالطرائق التقليديّة؟ إذا أرجعتَ الكرة إلى ملعبي، فالعمود قطرة من فيض الخاطر. دعنا نقل كلمة عامة، قبل بهجة الروح في تحليل ميراثنا الشعري بالدعابة. ما يُلاحَظ على تناول النصوص الشعرية قديماً هو مأزق التغريز في هامشيّات اللغة، وورطة الدوران في حلقة لغوية مفرغة. تريد مثالاً: شرح البرقوقي لديوان المتنبي. أسوأ من ذلك ثاني أكسيد كربون الإعراب، الذي يقطع الأكسجين عن الإحساس بجمال الشعر.
على الأساتذة أن يبتكروا كل جديد طريف، لجعل هذه المادّة البنيوية، قوةً جاذبةً لطلاب الإعدادية والثانوية. المدرس الجيّد فنان مغرم بالتجديد. تخيّل الأستاذ وهو ينعش الصف بجوّ من المرح والدعابة، عبر إضافة لمسات تحرّيات على بيت معلقة الأعشى: «كأنّ مشيتها من بيت جارتها.. مَرُّ السحابة لا ريثٌ ولا عَجلُ». أعزائي: لماذا لم يصف مشيتها من بيتها إلى بيت جارتها؟ ألا يعني هذا التحديد أن مشيتها من بيت جارتها، مختلفة عن مشيتها من بيتها؟ أي أنها حين تغادر بيت جارتها، تمشي الهوينا، فهي تتبختر وتختال، ما يدل على أنها من بيتها إلى بيت جارتها، تمشي مشياً حثيثاً أو تهرول، إذا كانت حركة المرور خفيفة. ما السبب في رأيكم؟ هل لدى جارتها صالون تجميل في بيتها، كمشروع تجاري منزلي صغير؟ حينئذ تغادر بيتها مسرعةً حتى لا يراها الناس بلا مستحضرات، غير متبرّجة تبرّج الجاهلية الأولى. حتى إذا أنهت الجارة مهمّتها، كالأثمد (الكحل) للعينين، والظلال، التي يُعدّونها من مزيج من أكسيد الحديد والنباتات، والحنّاء لليدين والقدمين، والمُغرة الحمراء للشفاه والخدود، والزيوت العطرية لترطيب البشرة وتعطير الشعر.. تهادت من بيت جارتها في خيلاء. بلغة الموسيقيين، من بيتها تنطلق سريعةً (بريستو) أو بحيوية (ألليجرو)، ومن بيت جارتها، تمشي ببطء (أداجيو) أو تتهادى (آندانتي).
لكن، إذا كان تصفيف الشعر ومواد التجميل، من صالون بيت الجارة، فلا دليل على أن العطور ليست من دارها، فخياراتها مميّزة ومحدّدة: «إذا تقومُ يَضوع المسك أصْوِرةً.. والزنبقُ الوردُ من أردانها شَمِلُ». أمّا تشكيلة مجوهراتها، فهي ملكها قطعاً: «تسمع للحَلْي وسواساً إذا انصرفتْ». معزوفة على قدمين، قيثارة كلاسيكية.
لزوم ما يلزم: النتيجة التربوية: لا تقمعوا ذوق الطلاّب بأعباء الإعراب، فالإعراب لا محلّ له من تربية الإحساس بجمال اللغة.