د. ناجي صادق شراب

الرقم في حياة الدول له دلالاته السياسية العميقة الممتدة الجذور، ويحمل الرقم 54 دلالات سياسية فريدة واستثنائية في حياة الإمارات شعباً وقيادة، مسيرة من الولادة والتأسيس وصولاً إلى مرحلة القوة الشاملة وبناء الدولة العصرية والهوية الوطنية المتجذرة في عمق الأرض، ومسيرة من الإنجاز والعطاء والبناء والانصهار في بوتقة سياسية واحده تحت مظلة دولة الإمارات العربية المتحدة بكل رموزها وقيمها الوطنية ومكانتها وريادتها الإقليمية والدولية.
والرقم 54 يعني تحوّل الحلم الذي عمل عليه القائد المؤسس زايد، طيب الله ثراه، وإخوانه حكام الإمارات إلى حقيقة راسخة تتجسد في دولة عصرية أساسها الحكم الرشيد والمواطن المنتمي الفخور بدولته، ودولة المؤسسات العصرية ومنظومة القيم الإنسانية العالمية التي ميزت الإمارات بتسميات كثيرة أهمها «دولة السلام» و«دولة الإنسانية» و«دولة التسامح والعطاء».
وفي هذا السياق يبرز التساؤل الدائم: لماذا الاتحاد؟ وكيف الطريق إلى الاتحاد؟ هنا تكمن الإجابة في رؤية وحكمة المؤسس زايد طيب الله ثراه، الذي فهم تاريخ المنطقة، وأن البديل للاتحاد هو الفرقة والانقسام والعودة للسيطرة والصراعات الإقليمية، وإدراكه أن الفراغ السياسي بعد انسحاب بريطانيا لا يكون إلا بقوة وطنية، وبوحدة تجمع إمارات المنطقة. وهنا كانت الرؤية المستمدة من نقاء الصحراء ومن صدق النوايا السياسية ومن الأخوة المشتركة التي تربط إمارات المنطقة، فقدم رؤية مرنه للحكم والاتحاد تقوم على الشراكة السياسية، والاستثمار في الإنسان الإماراتي الذي هو ركيزة أي نجاح. فالنجاح يقوم على ركيزتين أساسيتين: الحكم الرشيد والمواطن القادر على الإبداع والإنتاج والانتماء. وهذا يحتاج إلى بناء البيئة السياسية الحاضنة والمحفزة والصالحة فكانت البداية الاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية القوية وتوفير مظلة من الحماية القانونية وبناء منظومة من الحقوق تقوم على المساواة والمساهمة في التمكين السياسي للمواطن. والجانب الآخر لحكمة القيادة يكمن في تبني مقاربات سياسية تنأى بالدولة عن الانخراط في الصراعات الإقليمية والدولية.
لقد تحولت الإمارات من دولة صغيرة إلى دولة مؤثرة فاعلة وعالمية من خلال دورها وحضورها في كل المنظمة الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة وعضويتها في كل منظماتها، وتحولها إلى منطقة جذب عالمية تنافس الدول الكبرى، ودولة تنعم بالخير والاستقرار والأمن.
لقد نجح المؤسسون في ترجمة أن تكون بداية للنجاح الاستثمار في الإنسان، فهو من يبني ويعمر، ومظاهر هذا النجاح كثيرة منها أول رائد للفضاء، وكفاءات إماراتية متقدمة في مجالات الطب والاقتصاد والبناء الأمني والحضور العالمي. ولم يقتصر هذا الاستثمار على المواطن نفسه بل النجاح في التمكين السياسي للمرأة التي تبوأت مكانة كبيرة داخلياً ودولياً. ولا شك أن هذا النجاح تقف وراءه قياده رشيده نراها اليوم في صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة، حفظه الله، وأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، وحكام الإمارات الذين يعطون مصلحة الإمارات العليا الأولوية في كل مجالات الحياة، وفي العلاقات مع مختلف دول العالم.
وإذا كانت الدول الغربية تتباهى بنجاحها بفضل الديمقراطية، فإن الحكم في الإمارات يتجاوز المفهوم الديمقرطي للحكم الرشيد، إلى نموذج للحكم الذي لا يميز بين الحاكم والمحكوم، والشراكة التي تقوم على أن الحاكم محكوم والمحكوم حاكم، ونراها في المناصب العليا التي يشغلها المواطن.
إن هذا النجاح تقف وراءه منظومة من القيم الإنسانية العالمية، ولنا أن نرى دولة الإمارات وهي تحتضن مئتي جنسية يعيشون في كنف الدولة ويتمتعون بكل الحقوق الإنسانية، وهذا نادراً ما نراه في نموذج حكم آخر.
مظاهر النجاح كثيرة، أولها في جواز السفر الإماراتي الذي تعترف به كل الدول وينافس كل الجوازات العالمية الأخرى، وكذلك في الإنفاق الحكومي على التقنيات الحديثة، وفي مؤشر توفر العلماء والمهندسين وفي الكثير من المؤشرات العالمية ألأخرى، أبرزها مؤشر السعادة والرفاهية والأمان والأمن.
كذلك، حققت الدولة إنجازات على امتداد الخريطة العالمية، وكفى أن نعرف أن الإمارات تضم اليوم 72 جامعة، كما أن نسبة الطالبات في الجامعات تبلغ 58 في المئة، ونسبة القوة العاملة للمرأة تبلغ 68 في المئة.
هناك عبارة شامله جامعة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد رئيس الدولة: سيأتي وقت بعد خمسين عاماً ونحن نحمل آخر برميل نفط للتصدير، وسيأتي السؤال هل سنخسر وقتها؟ وإجابة سموه: إذا كان الاستثمار اليوم في مواردنا البشرية صحيحاً فأنا أراهن أننا سنحتفل بتلك اللحظة. هذه هي دلالة الرقم 54.. النجاح والديمومة في بناء الدولة وهويتها الوطنية.

[email protected]