بغض النظر عن نظرة ورؤية كل واحد منا للمخترعات التقنية، مثل: الهواتف الذكية، منصات التواصل، كاميرات المراقبة، تطبيقات التوصيل، أزرار وبرمجيات... وغيرها الكثير، فإن كل واحد منها يعتبر قيمة أخلاقية، ومرآة واسعة تطل بنا على أنفسنا كمجتمع، ماذا نخاف؟ ماذا نرغب؟ وما القيم التي نسمح لها بأن تتضخم في حياتنا؟ على سبيل المثال، شبكات التواصل الاجتماعي ليست مجرد منصات لنشر الصور والأخبار، بل مرآة لرغبتنا في أن نحصل على الاهتمام والتفاعل، في الحصول على قدر من الاعتراف والاهتمام يتجاوز حدود العائلة والحي. نمو تطبيقات التوصيل السريع يعكس توقنا للراحة والسرعة، واستعدادنا للتضحية بجزء من علاقتنا بالمكان والناس مقابل أن يصلنا كل شيء إلى مقرنا بضغطة زر. حتى تفاصيل الطريقة التي يتم بها بناء التطبيقات صارت تحمل جوانب خفية، خوارزمية تفضل المحتوى الصادم، لأنه يجذب التفاعل، تكشف أن الاهتمام صار أهم من الجودة، تصميم واجهة يجعل خيار الشراء الفوري أسهل من خيار التريث، يعكس تقديس اللحظة على حساب التفكير، التقنية لا تقول ذلك بصوت مسموع، لكنك تجده في ترتيب الأزرار وطريقة عرض الخيارات. مع ذلك، ليست التقنية شيطاناً يفسدنا ولا ملاكاً يصلحنا، بل كأنها مكبر صوت لما في المجتمع من قيم ورغبات ومخاوف، يمر عبرها ثم يعود إلينا.على سبيل المثال، مجتمع يعلي من الربح على حساب الإنسان سينتج، غالباً، تقنيات تزيد الإنتاجية وتستهلك الأعصاب، مجتمع آخر يرى في الكرامة والعدالة أولوية سيوجه اختراعاته نحو حفظ الخصوصية، وتسهيل الوصول للمعرفة، وتقليص الفجوات لا تعميقها. الرسالة الأخلاقية هنا واضحة، السؤال لم يعد فقط «ماذا تستطيع التقنية أن تفعل؟» بل «لصالح أي قيمة تسخر؟». قبل أن نسأل عن الجيل القادم من الأجهزة، ربما نحتاج أن نسأل عن الجيل القادم من المبادئ التي نريد أن تخدمها هذه التقنيات، أن نشارك كمجتمعات في الحوار حول الحد الفاصل بين الأمان والتهجم، بين الراحة والاستغلال، بين الترفيه والتسطيح. يجب أن نمعن النظر في الطريقة التي نستخدم بها التقنية، لأننا، في نهاية المطاف، سوف نرى ملامح أخلاقنا خلفها، ليس لتكشف فقط عما نخاف منه ونرغب فيه الآن، بل عما نطمح أن نكون عليه غداً، مجتمعات أكثر وعياً، تستخدم التقنية لتوسيع إنسانيتها، وليس للتنازل عنها، مع كل تحديث جديد.