علي قباجة

تتسارع الخطى للتوصل إلى اتفاق يضع حداً للحرب في أوكرانيا، إذ تسعى واشنطن بقوة إلى إنهائها، حتى لو كان ذلك على حساب أوروبا بأكملها، وقبلها أوكرانيا ذاتها. فقبول كييف المقترحات المطروحة يُعد استسلاماً صريحاً لا ريب فيه، إذ ستفقد جزءاً من أراضيها، وتُمنع من الانضمام إلى حلف الناتو، كما سيُحدد قوام جيشها بعدما كان الأكبر أوروبياً، وستُدفع إلى هامش التاريخ. ولن يمنع ذلك موسكو من استكمال ضمّها لاحقاً خلال مدد زمنية محددة، لا سيما في ظل وثيقة كشفت عن نوايا روسية لاتخاذ تدابير تهدف إلى أن يكون 95% من سكان أوكرانيا روساً بحلول عام 2036.
وثمة توجه أمريكي جديد في السياسة الخارجية يختلف عمّا كان عليه سابقاً. فبعدما كانت الولايات المتحدة تدعم أوكرانيا وتزودها بمختلف أنواع العتاد والمال، تغيرت الظروف الدولية اليوم لمصلحة إنهاء الحرب التي حققت أهدافها أمريكياً: أولاً باستنزاف روسيا في عديد جيشها ومقدراتها واقتصادها، وثانياً بتخويف الأوروبيين من «الدب الروسي الهائج» كي يبقوا في بيت الطاعة الأمريكي، في وقت كانت أصوات الدعوات إلى الانفكاك عن واشنطن والتوحد بجيش واقتصاد أوروبيين تتصاعد بقوة.
تواجه أمريكا الآن مشكلات عميقة مع الصين، التي تراها تنيناً قوياً يتضخم بوتيرة متسارعة، وينتزع منها التفرد العالمي. فبكين تزاحم الولايات المتحدة في كل شيء، بل تتفوق عليها في العديد من الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية. كما أن السياسة الصينية المعاصرة أصبحت أكثر براغماتية وانفتاحاً تجاه التحالفات مع دول العالم، فضلاً عن بناء قدراتها العسكرية. وهذا ما تخشاه واشنطن اليوم، أن تقضي الصين على مصالحها في مناطق مختلفة من العالم.
ولهذا أصبحت الحرب في أوكرانيا مسألة ثانوية مقارنة بالخطر الصيني في نظر الولايات المتحدة، فرفعت من منسوب مقترحاتها المخالفة للتوجهات الأوكرانية والأوروبية، وهي تعلم يقيناً أنها ستُرفض. إلا أن هدفها كان المناورة وترك الباب موارباً لتعديلات مقبولة، بحيث ترى كييف أنها قللت خسائرها، بينما تحصل روسيا على الحصة الكبرى بعد هذه الحرب المريرة.
وقد رفض زيلينسكي التوجه الأمريكي صراحة، مؤكداً أنه لن يخون بلاده حتى لو خسر حليفاً بحجم الولايات المتحدة. في المقابل، حاولت أوروبا جسر الهوة عبر مقترح جديد يحافظ على المبادئ الأساسية، ويشدد على سيادة أوكرانيا، بل يسمح للدول الحليفة لكييف بعد الاتفاق بردع أي «عدوان» روسي مستقبلاً. وهذا يعني عملياً رفض المقترح الأمريكي، وإن لم يُعلن ذلك صراحة، إذ جاءت المقترحات الأوروبية بصيغة أنها تعديل على الخطة الأمريكية فقط، وليست بديلاً.
تدرك أوروبا أن السماح لروسيا بانتصار كاسح وسهل سيجعل أمنها في مهب الريح، لذا فهي تقاوم بشدة الضغوط الأمريكية. وهذا ما يفسر تلويح واشنطن بورقة الحماية العسكرية للقارة، والتي يمكن سحبها إذا لم تتحقق المصالح الأمريكية.
الأيام المقبلة حبلى بالتطورات التي قد تكون على حساب أوكرانيا لمصلحة الخصمين التقليديين أمريكا وروسيا، حيث إن مصالحهما على ما يبدو أصبحت تتجاوزها بأميال.

[email protected]