نسيم الخوري

للعظمة الدولية مواقف وأسرار تتبدل بتغيّر الرؤساء لتتجاوز المواقف المعروفة نحو الطموحات المكبوتة فوق ألسنة مسؤولي العالم الحرّ؛ حيث لا أحداً أكبر من وطنه. قد يخسر رئيس دولة موقفاً أو طموحاً ولا يشعر بخسارة موقعه أو وجوده أو مستقبل وطنه إن كان منغمساً في ملامح المستقبل والتطور.
إن دورة الأساطيل في المتوسط قبالة غزّة وفلسطين بدولتين أو بما لسنا ندري وحتى بلبنان تُرشدنا نحو الأفكار الدولية المتجددة المثقلة بالأسئلة وبالارتجال مع التركيز على استراتيجيات السلام التي لا تُولد إلا من رحم المستحيلات. صحيح أن أمريكا كابدت ارتباكاً ملحوظاً في سياساتها الخارجية، بعدما خرجت من أزمتها الداخلية مجددة ديونها وجدول تمويل مصاريفها، لكنها لم تسقط فوق شفتي الروسي أو الصيني أو حيالهما.
ليس هناك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المُقيم في العالم أرضاً ودولاً وفضـــاء نسيان التـــــجوّل نحو استراتيجيته الجدية البارزة بفض النــــــزاعات في العديد من دول الــعالم متيقّناً ومنتصراً يتـــــباهى برفـــــع علامة النصر في وجه العالم بالخط الأسود العريض.
قد يليق بنا أن نخلع اليوم من أذهاننا فكـــرة أن تهيمن دولة على عظمى أخرى أو تكسر عزتها أو عظمتها مهما احتدت الخصومة والصراعات أو حروب الحلفاء، وهذا نهج الرئيس الأمريكي كما يتّضح. وهنا فكرتان:
1- إن منتصرين كبيرين خرجا من سوريا هما روسيا وأمريكا، وكلاهما ما زال يحافظ على صورة الآخر وهيبته ويغطي حضوره ولم يعرّيه. الحكمة والتعقل والتراجع حيث لا تغيير في المواقع المقبولة والمفهومة المبررة خصوصاً لدى الرؤساء الكبار في المناخ الدولي العام ولو أحرجتهم المصالح الخاصة بكل دولة أخرى.
للتذكير سبق لأمريكا وروسيا أن خرجتا منتصرتين من جروح الحرب الكونية الثانية، لكن اندحار دول المحور وضع الدولتين في صراع أدى إلى تجزئة العالم وجذب الدول الإقليمية والصغيرة والأفراد إلى فلكيهما في بناء السياسة الدولية وتقاسم النفوذ والمصالح. وكان الشرق الأوسط نقطة الجذب الثمينة وما زال، بثرواته النفطية وتقدم استراتيجيات زمن تحقيق رسم الشرق الأوسط الجديد، على الرغم من كلّ التقارير التي أدمنت التبشير المغلوط أحياناً بكساد النفط والاستغناء عنه بطاقات بديلة كأدوات ضغط على الدول النفطيـــة وبـــهدف اســـتــــمرار تــعاونها كي لا أقول أكثر.
صحيح أن الحروب المشتعلة بالوكالة بين الدولتين العظميين عبر عقود الحرب الباردة (1945 -1991) قد آلت إلى كارثتين: سقوط العراق ودحره في رمل الخليج في 2 أغسطس/آب 1990 وسقوط اتحاد الجمهوريات السوفييتية الاشتراكية في 25 ديسمبر/كانون الأول 1991 المتراخي فوق يوراسيا بين 1922 و1991، غير أن هاتين الكارثتين لم تنسفا احترام الدولتين المتبادل، وهبت موسكو مباشرة بعد سقوط البرجين في نيويورك 11/9/2001 إلى إعلان تحالفها مع واشنطن لمحاربة الإرهاب.
2- للتذكير، ومن نقطة التفاهم بالتحديد بين موسكو وواشنطن بإتلاف الكيماوي في دمشق والجنوح نحو إمكانات الحوار في جنيف حول سوريا الذي كان عصياً بنتائجه كانت تدهشني أعاصير الإعلام العربي غير المبرر التي استغرق فيه الكتّاب والمحللون في حمى حماسية من التشفي السطحي التي تبرز هزيمة أمريكا وانكسارها أو تغالي بالمقابل، بانتصار روسيا وتفخيم عظمتها وهي لم تكن تفعل سوى تجذير الانقسامات المحلية وزيادة الاشتعال. لا يعني الخطاب المشحون للاستقواء بدولة عظمى والمحشو بعدائية قاتلة لدول أخرى كثيراً في مستقبل هويات الأوطان، لكنه يدفع الحنين النرجسي للشعوب للترحم على ماضٍ لن يعود قطعاً. ولأن التنازلات والحوارات فوق الكوارث من غزة ولبنان والسودان وغيرها لها أعباؤها وآلامها وانفعالاتها وتجعل بعض المسؤولين والكتّاب أحياناً أجساداً بلا أرواح لا ينظرون إلى مستقبل الشعوب إلا منتصراً ومهزوماً، فإن أقصى الحكمة في أحلام الشعوب التوصل إلى الخروج من مواقد النار نحو الاستقرار .