يقضي البعض من الناس جزءاً كبيراً من أعمارهم في الانتظار. انتظار نتيجة ما: ترقية، شريك حياة، خبر مفرح، أو حتى شعور بالاستقرار الداخلي، أحياناً يتحول الانتظار من محطة عابرة إلى أسلوب عيش فنجد أنفسنا مؤجلين للحياة الحقيقية إلى إشعار آخر، «سأرتاح عندما أجد الوظيفة المناسبة»، «سأكون سعيداً عندما أتزوج»، «سأهدأ عندما تتحسن الظروف»، فجأة تصبح أيامنا ممراً ضيقاً نمضي عبره إلى غد مجهول، بدل أن تكون -هي نفسها- ساحة للحياة.
الانتظار في حد ذاته ليس عدواً، هو جزء من إنسانيتنا، ودليل على أننا نرجو ونحلم ونطمح، لكن أن يتحول إلى عبء، أن يصبح كل ما نراه هو ما ينقصنا، فنقيس اليوم بما لم يحدث بعد، وليس بما هو موجود أمامنا، نعيش في منطقة وسطى، لا نحن متصالحون مع الحاضر، ولم نصل لما نرجوه، فنستنزف بين حسرة على الآن، وقلق من القادم.
في أوقات الانتظار الطويلة تتضخم الأسئلة، لماذا يتأخر ما أريد؟ هل المشكلة لدي؟ هل تأخري يعني أنني أقل استحقاقاً؟ هذه الأسئلة إن تركت دون إجابات داخلية، تتحول إلى جلد ذات، وتحقير خفي للنفس، كأن قيمتنا معلقة بنتيجة أو ظرف أو شخص، بينما الحقيقة أن الانتظار يكشفنا أكثر مما يحكم علينا، يكشف مدى ثقتنا بأنفسنا، وبمنطق الحياة الذي لا يسير دائماً وفق جدولنا الزمني وخطتنا الخاصة.
إن الحياة لا تؤجل، لا توجد نسخة تجريبية نعيشها ثم نحصل على النسخة الكاملة بعد تحقق الأحلام والغايات، ما نملكه الآن من علاقات بسيطة، تفاصيل يومية، فرص صغيرة للتعلم والتواصل، هو مادة العمر الحقيقية،. الانتظار لا يمنعنا من أن نكون لطفاء، من أن نعتني بأجسادنا، من أن نطور مهارة، أو نقرأ كتاباً، أو نتقرب إلى الله، أو نكون سنداً لغيرنا. لا يعني العيش في الحاضر أن نتظاهر بالرضا الزائف أو نقمع خيباتنا، يمكن للمرء أن يعترف بألمه، أن يحزن على ما تأخر، وفي الوقت نفسه يختار ألا يقوم بتجميد نفسه وحياته في الانتظار.
حين نفهم الانتظار ونعتبره جزءاً من الرحلة، وليس فراغاً بين محطتين، نهدأ قليلاً، ندرك أننا لسنا مجبرين على أن نعيش نصف أحياء حتى يتحقق شيء ما، نسمح لأنفسنا بأن نكون حاضرين، نبني، نحب، نتطور، حتى لو كان الطريق أطول مما تمنينا، فالحياة ليست فقط عند الوصول، بل في كل خطوة نمشيها ونحن في الطريق.
الحياة ليست فقط عند الوصول
30 نوفمبر 2025 00:08 صباحًا
|
آخر تحديث:
30 نوفمبر 00:08 2025
شارك