مريم البلوشي

كم مرة بكينا؟ وكم مرة ظننا أنها بداية قاسية لأمر نريده بشدة؟ وكم مرة أعدنا خوض المخاض ذاته، تلك التجارب الذاتية التي تخلق منا أشخاصاً لم نتوقعهم، أو علمتنا عن أشياء فينا جعلها الله كبذرة احتاجت الى أن تحصد، لتبهرنا الحقيقة الكبرى، أن في دواخلنا ملكات وقدرات لم يجعل الله لها حدوداً، ولم تكتفِ بأضيق المسارات بل امتدت لتتسع للكون وتصبح إرادتنا الضعيفة فقط عذراً وحاجزاً غير مبرر.
المرات التي بدأت بقسوة، بألم، بتعب، وبإحساس جارف أن ما اخترناه صعب، هي تلك المرات التي شكلتنا، هي قسوة البدايات التي روضت أرواحنا، وجعلتنا نكتشف فينا ما لم يربه فينا الأهل، أو المدرسة أو حتى الجامعة، هي الحياة الحقيقية، والمواقف التي يأتي بها الله لنقف أمامها أمام القرارين المعروفين، الاستمرار أو التراجع، وحين نقرر الاستمرار، ونبدأ تجربة قاسية واحدة تلو الأخرى، ندرك في نهاية المشوار وحين ننظر للخلف أن ما مررنا به لم يكن شيئاً وأن الله يعدنا لما هو أكبر وأعظم في كل مرة. في كل بداية وكل استمرار يهون الأمر، ويسهل، لأن قلب المرء تعلق بالرغبة وبهدف الحياة التي يريدها، يريدها تشبهه، وما الشبه إلا هي صورة ذاتية داخلية حلمنا بها، وجعلها الله فينا، كخاطر يمر فيسعدنا، كصورة ومشهد من فيلم أجمل ما فيه أنك قلب الحدث.
كل بداية ليست إلا قراراً، وكل فشل في مشوار ما اخترناه، هو خطوة النجاح الكبرى، كل أمنية لم تتحقق هي خير الله فينا، وكل شخص لم يكن نصيبه معنا كان اختيار الله لنا، كل سلم نرتقيه بعد عناء وبكاء وانهيار يستحق الاحتفال، أن نكرم أنفسنا، وكلما تراجعنا، وخذلتنا أنفسنا، كان لا بد من وقفة خاصة، من تأمل وعزلة مع ما نعرفه عنا، كل سماء فوق رؤوسنا هي رسالة الله أن الدنيا مفتوحة بأذرعها، وأن الأرض تتسع لكل خيالاتنا ورغباتنا وأحلامنا. في كل قسوة وكل بداية تذكر، لن تذوق الإحساس الأجمل بسهولة، هي الحياة التي خلقنا الله فيها (لقد خلقنا الإنسان في كبد)، لن تمر الأيام بسهولة، ولن نحقق ما نريد بمجرد أننا نريده، لن تعطينا الحياة أطباقاً فيها كل ما نتمنى، بل ستكون خالية في كثير من الأيام، وسنعود خالين الوفاض، حتى لا نركن للكسل ولا القنوت فتمل أرواحنا، في كل تجربة أنت إنسان جديد، وفي كل إنجاز وحلم حققته، أنت متفرد عرف قيمة الحياة، وأن الله مع من يسعى في دربه..!

[email protected]