عبدالله السويجي

أن تكون شفّافاً هو أن تكون نزيهاً، وبالتالي أن تكون واضحاً وصريحاً، وكنتيجة قيمية أن تكون غير فاسد، وتحارب كافّة أشكال الفساد. وكما يتبيّن، فإن مفردة الشفافية ليست مفردة إنشائية أو قيمية أو أدبية فحسب، بل هي مفردة تُبنى عليها مناهج الأداء، على المستوى الفردي والحكومي.
نتطرّق إلى هذا الموضوع ونحن نحتفل بعيد الاتحاد الرابع والخمسين لدولة الإمارات العربية المتحدة، وإذا كنّا نفخر بقيمة رسّخها الاتحاد فإننا نفخر بأنه عزّّز الشفافية الحكومية والفردية، أي حارب النوايا والأساليب التي قد تعطّل عملية البناء في الميادين كافة، إن كانت على الصعيد الإنساني النظري أو العلمي العملي، ويمكننا القول إن هذه الدولة النموذج هي نتاج مبدأ الشفافية، أي النزاهة، أي المكاشفة، أي التعاون والتآزر بين القيادة والشعب لإنجاز هذا التوهّج المستدام الذي قدّم للعالم الدولة النموذج، التي أصبحت من بين الوجهات العالمية للعيش والعمل.
ولم تكتف دولة الإمارات بتحقيق الإنجاز على المستوى المحلي، وإنما نافست وتصدّرت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا واحتلت المركز السادس والعشرين عالمياً، على مؤشّر مدركات الفساد لعام 2023 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، لتكون بين الدول الأكثر شفافية ونزاهة في العالم، حاصلةً على 68 نقطة على المؤشر العام لمكافحة الفساد.
ومن لا يعرف «منظمة الشفافية العالمية»، فهي منظمة غير ربحية، تُعد حركة عالمية تنشط في أكثر من 100 دولة، وهي تأسست عام 1993 في برلين، وقد عُرفت هذه المنظمة بتقريرها السنوي «مؤشر الفساد»، واستطاعت في عام 1997 حثّ 34 دولة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، على سن قوانين تجرّم الرشاوى للمسؤولين في دول أخرى، وتم توقيع اتفاقية ألزمت ملاحقة المخالفين، وعلى إثرها اضطرت الولايات المتحدة الأمريكية عام 2014 إلى دفع 1.56 مليار دولار غرامة لمخالفتها قانون الرشاوى الأجنبية.
وفي الإمارات العربية المتحدة استخدمت الحكومة التكنولوجيا ووظفتها لتحقيق أعلى درجات الشفافية عن طريق الحكومة الإلكترونية، والحوكمة، ثم استخدمت الذكاء الاصطناعي، أي اعتمدت على النظام system الذي يحول دون العبث بالأداء وسير المعاملات، وهذا كلّه أدى إلى تحقيق تنمية استثنائية في زمن قياسي، إذ انعكس هذا النظام على اتخاذ القرارات وإدارة المؤسسات والأداء في بيئة مكشوفة، والجميع يعلم المكاتب الزجاجية المفتوحة، وخاصة مكاتب المديرين.
ومن أجل استدامة هذه الشفافية، ابتكرت دولة الإمارات العربية المتحدة منصّات للأفراد والمراجعين، ومن بينها «منصة واجب»، وهي منصة تسمح للأفراد بالإبلاغ عن الفساد الإداري والمالي في الجهات الحكومية إن وجد، بحيث يمكن الإبلاغ عن: إساءة استخدام السلطة، وتبذير الأموال العامة، والتلاعب في مشتريات الجهة الخاضعة، والاعتداء على أموال الجهة الخاضعة، والإهمال أو التقصير الذي يترتب عليه مباشرةً ضرراً مالياً للإمارة، والقيام بأي فعل يؤثر في سمعة الإمارة المالية.
وهناك تطبيق آخر اسمه «المتسوّق السرّي»، الذي يتيح الفرصة لكافة المتعاملين تقييم جودة الخدمات الحكومية المقدمة لهم، وتقييم مقدمي الخدمة، ومراكز تقديم الخدمة، وإرسال أية ملاحظات حولها للمسؤولين المعنيين في الدولة. وتواصل الدولة متابعة تطبيق الشفافية، وأحدث هذه الفعاليات هو تنظيم «اتحاد مصارف الإمارات» وهو الممثل والصوت الموحد للمصارف الإماراتية، الدورة الخامسة لمؤتمر الامتثال السنوي، وقال المدير العام للاتحاد إن ريادة دولة الإمارات في القطاع المالي تستند إلى الثقة والشفافية والحوكمة، حيث يرى الاتحاد أن الامتثال ليس مجرد التزام بحسب، بل هو أساس الاستقرار ومحرك الابتكار في القطاع المصرفي.
وهناك شفافية أخرى تتمثل في العلاقة بين الحكومة والشعب، المبنية على الصراحة والوضوح في تطبيق اللوائح والأحكام، والمشاركة في صناعة القرار من خلال قنوات مدروسة، وهذا يعزّز من مسألة تطبيق القانون، لتأخذ الدولة صفة «دولة القانون»، حيث كل الناس سواسية أمام القانون، ما يعني دولة العدالة.
إن هذه القيم مهمّة للغاية، ولا بد من ذكرها ونحن نحتفل باليوم الوطني الرابع والخمسين لوطننا الحبيب، ومن الأهمية بمكان، جعل هذه القيمة أسلوب حياة، وهنا تقع مسؤولية على المدارس والمربين وأولياء الأمور في غرس مبدأ الشفافية/ النزاهة/ الوضوح والصراحة، في نفوس الأجيال الصاعدة، وهذه القيمة ليست معنوية بقدر ما هي مادية يجب تطبيقها بحرص وحسم في التعامل مع المؤسسات الحكومية أو بين الأفراد، أو داخل الأسرة، فحين تفسد هذه القيمة ستبدأ كل القيم بالانهيار والتراجع.
وهناك أمثلة عديدة في دول يتفشى فيها الفساد نظراً لغياب الشفافية والمحاسبة، وهي دول تعاني الفوضى المؤسساتية ومنها الاجتماعية والتفلّت الأسري والاعتداء على المال العام والخاص، فتتأثر المشاريع سلباً، ويتراجع الأمن والأمان، فتكثر الجريمة ويصبح البقاء للأقوى، وهي شريعة الغاب، وليست شريعة الدول المتحضّرة، وأقولها بالفم الملآن إن دولة الإمارات ستبقى من الدول المتحضّرة، وستبقى الدولة النموذج في التنمية العمرانية والبشرية.

[email protected]