عبد الإله بلقزيز
نلاحظ، في الكثير ممّا يُكتب في شؤون الاجتماع والفكر والثّقافة، ميْلاً متمادياً إلى مُرَادفة مفاهيمَ بينها فروقٌ دلاليّة شتّى، وأخْذِها بالمعنى نفسِه ثمّ بناءِ استنتاجات على قاعدة استبداهِ التّرادف ذاك. ما أكثر الأسباب التي تفسِّر ظاهرة الخلط بين المفاهيم: من عزوف عن التّدقيق النّظريّ النّاجم، في الأغلب، من الفقر إلى المعرفة الفلسفيّة، إلى سلطان العادةِ والدّارجِ في وعي مَن يخلطون، إلى استسهال التّفكير بعموميّات جاهزة... إلخ، والنّتيجةُ إِخطاءُ تقديرِ الظّاهرة المدروسة وإساءة إدراكها.
هذا ما نصطدم به، مثلاً، حين نقع على حديثٍ عن مفاهيمَ تترادف، في ذلك الوعي، من قبيل التّقليد، والأصالة، والخصوصيّة...، وهي التي تَشيع، على أوسع نطاقٍ، في المجال التّداوليّ. إذا كان التّقليد سُنَّةً عليها يُدْرَج واقتداءً دائباً بما فَعَل السّابقون وماضياً يُنتَزَع من زمنه الخاصّ فيُؤْتَى به - أو يُستَدعى - للحاضر، فهل هذا هو المعنى عينُه لمفهوم الأصالة ولمفهوم الخصوصيّة، وهل يطابِقهما المطابَقةَ التي يَتَبرّر بها ذلك التّرادفُ بينها في الوعي الذي يقيمُه ويأخذ به؟
يُشار بعبارة الأصالة، عادةً، إلى حالةٍ نابعةٍ من الدّاخل أو من الشّرط الذّاتيّ. وهكذا: أَكان الأمرُ يتعلّق بأصالة فكرةٍ أو معتقدٍ أو نظامٍ اجتماعيّ...، فإنّ مفهومها يردُّنا إلى واعزٍ ذاتيّ هو الأسّ الأساس في ذاك المعطى الذي نُطلق عليه وصف الأصيل. ينتمي المعطى الأصيل، بهذا المعنى، إلى نظامٍ مرجعيٍّ خاصّ يتمثّل في الذّات: بمعناها الجمْعيّ الثّقافيّ والحضاريّ والمادّيّ والرّوحيّ. نعم، قد تكون الذّات المعْنيّة، هنا، فرديّةً أيضاً، فيقالُ عن الأثر النّابع منها - قولاً أو فعلاً - إنّه أصيل بالمعنى الذي يُستفاد منه أنّه جوّانيُّ المنبع لا برّانيَّهُ، أو أنّه ليس مستقى من خارجٍ أو نموذجٍ خارجيّ، لكنّ الغالبَ على استخدام مفهوم الأصالة هو نطاق الوجود الجماعيّ.
يتقاطع مفهوما التّقليد والأصالة في المعنى في هذه الحال، أي في كونهما يحيلان إلى أصلٍ واحدٍ مرجعيٍّ يُسَار على سُنّته ولا يلحقُه تغييرٌ ولا تدخُل عليه أخلاطٌ من خارجه. يرمُز المفهومان لحركةٍ لا تتبدّل هي الاستمراريّة التّاريخيّة للذّات الجماعيّة، ولكنّها الاستمراريّة التي لا تتحقّق إلّا من طريق وفاء الذّات لماهيّتها وتَمسُّكها بها في نظر دعاة التّقليد والأصاليّين. على أنّه إذا كان الاشتراكُ في المعنى بين المفهومين قائمٌ في انكفاء كلٍّ منهما إلى أصولٍ نموذجيّة يُبْنَى عليها، فإنّ معنى التّقليد أوسعُ مدىً من معنى الأصالة، إذْ هذه فرْعٌ من ذاك لا يكون من دون أصْلٍ يبرِّره.
ليس من علاقةٍ بين مفهوميْ الخصوصيّة والتّقليد ولا اشتراك بينهما في الدّلالة. القولُ بالخصوصيّة ليس قولاً بالانكفاء على الذّات والاكتفاء بها والغَناء عن غيرها كما يعني هذا المعنى القولُ بالتّقليد أو بأصالةٍ تمتح من هذا التّقليد. نعم، في مفهوم الخصوصيّة قدْرٌ واضح من الاعتراف بالذّات والذّاتيِّ، وبالمحليِّ والدّاخليّ، وحتّى الهُويّويّ، ولكن ليس بمقدارٍ يناظر اعتراف المفهومين الآخريْن بها، فضلاً عن أنّ اعتراف الخصوصيّة بما هو ذاتيّ يتساوق واعترافها بما هو موضوعيّ وخارجيّ. لا تُناهض الخصوصيّةُ المعارفَ والثّقافات والحضارات الأخرى، التي أبدعتها أممٌ وشعوب أخرى، كما تفعل ذلك إيديولوجيا الأصالة، وكما يقول دعاةُ التّقليد، بل تستدخل الكثير من معطياتها في منظومتها تماماً مثلما هي تفعل في علاقتها بالموروث الثّقافيّ والحضاريّ.
تقف الخصوصيّةُ موقفاً وسطاً بين دعوتيْن قصوويّتيْن: بين الأصالة وتَشرنُقها وانغلاقها والكونيّة في اندفاعتها الجامحة إلى محْو كلّ ما هو خاصّ ومطابِق بدعوى تناقُض دعواهُ مع المشتَرَك الكونيّ. بهذا المعنى، يقدّم مفهوم الخصوصيّة جواباً عن معضلةٍ ثقافيّة هائلة تشهد عليها المجتمعات والأمم ومنظوماتُها الثّقافيّة والقيميّة، هي الصّراع فيها بين تيّار الانكفاء، باسم الهويّة والحاجة إلى حفظ الذّاتيّة من المسخ والمحو والتّبديد، وتيّار التّحلُّل من الذّات والخاصّ، بدعوى نشدان الانتماء إلى الإنسانيِّ والكونيّ. التّياران معاً متطرّفان ولا يقترحان على المجتمع والثّقافة إلاّ الصّراع: مع النّفس ومع العالم الخارجيّ، فيما تسمح دعوى الخصوصيّة بالصّلح معهما وبالتّوازن في العلاقة بهما.