أشار الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت إلى أن الوعي هو جوهر الكينونة الإنسانية حين قال إن التفكير هو الدليل الوحيد على الوجود، لأن الإنسان يدرك ذاته من خلال وعيه وإدراكه لما يفكر فيه، وفهمه للعلاقات والقيم التي تحكم التفاعل بين الناس، هذا الوعي يسهم في بناء مجتمع متعاون يسوده الاحترام والتفاهم المتبادل.
ومع ما نشهده اليوم وعلى مستوى العالم من تغيرات فكرية وتقنية، وتشابك حقيقي للثقافات من مشرق الأرض إلى مغربها، يبرز دور «الوعي الثقافي» كفعل حضاري حاسم في تشكيل هوية الإنسان العربي المعاصر، يحمي الذات الجمعية من التشتت والانبهار المفرط بالآخر كما هو ملاحظ مؤخراً، ولعل إدراكنا لقيمتنا وتاريخنا الحضاري وقدرتنا على الإبداع، هو وحده القادر على المساهمة في الحضارة الإنسانية بخصوصية الهوية العربية الأصيلة.
من هنا كانت الفنون، ولا تزال، هي إبراز ملامح هذا الوعي، إذ يمكن من خلال اللوحة والأغنية والقصيدة والفيلم، أن يقدم الفنان العربي صورة عن واقعه ورؤيته للعالم، ويعيد صياغة سرديته الخاصة، وحين يوظف المبدع رموزه التراثية ومفرداته المحلية بلغة معاصرة، فإنه في الحقيقة يحاور الإرث التاريخي ويجدده، فالفن في جوهره ليس بحثاً دائماً عن معنى جديد للجمال والهوية.
ولعل المشهد الثقافي العربي، اليوم، يواجه تحديات مركبة، ضغوط السوق من ناحية ومغريات الحداثة السريعة من ناحية أخرى، ما يوحي أحياناً بضياع أو تشتت لملامح الأصالة لصالح الحداثة أو الفنون المعاصرة، وهنا تأتي أهمية الوعي الثقافي في توجيه الإبداع، فالموهبة دون وعي قد تنتج فناً جميلاً شكلاً، لكنه في الجوهر فارغ المضمون، أما الموهبة الواعية، فهي التي تصنع فنا مؤثراً قادراً على التعبير عن قضايا الناس وإثارة التفكير النقدي لديهم، فبحسب رأي الناقد البريطاني جون بيرجر في كتابه «طرق الرؤية»، فإن الفنون البصرية تمنح الناس فرصة للتفكير خارج حدود الكلام، وتساعدهم على تكوين رؤيتهم للعالم بشكل مستقل عن الرواية المسموعة.
هناك دور مهم للمؤسسات التعليمية والإعلامية في ترسيخ هذا الوعي، وذلك من خلال دعم الفنون الجادة، وتقديم محتوى يحترم عقل الجمهور ويحتفي بهويته الأصيلة، فالثقافة العربية غنية بتراثها ورموزها، لكنها تحتاج إلى أجيال تفهم هذا التراث بعمق، وتنقله إلى الحاضر بلغة فنية حديثة، ومن خلال ممارسات إبداعية تعيد تعريف علاقتنا بالفن والتاريخ والمجتمع. الوعي الثقافي هو وعي نقدي متوازن، يفتح الأبواب أمام الحوار ويصون الهوية من التشتت والتلاشي، وعندما يمتلك الفنان العربي هذا الوعي، يصبح قادراً على تحويل الإبداع إلى وسيلة لبناء إنسان أكثر فهماً لذاته، وأكثر انفتاحاً على العالم محافظاً على ملامحه العربية الأصيلة.