علي عبدالله الأحمد

كنت أجلس على شاطئ السعديات، هذا الأسبوع، ذلك المكان الذي اختزل جمال البحر والسكينة في لوحة واحدة. الشمس دافئة، والجو معتدل، وعلى مقربة مني كانت هناك عائلة أوروبية جاءت إلى الدولة هرباً من برد الشتاء القارس في أوروبا. طفلان يلعبان بالرمال، والأم تستمتع بالهدوء، بينما كان الأب جالساً على كرسي الشاطئ يقرأ كتاباً جذبني عنوانه: The Geography of Thought.
مررت بهدوء، وعدت أنظر إلى الكتاب من زاوية عابرة، فرأيت العنوان بشكل أوضح: «جغرافيا الفكر». لم يكن العنوان مألوفاً لديّ، لكن شيئاً ما دفعني لأبحث عنه فوراً في هاتفي. وهنا لفت نظري أمر آخر، معظم الأوروبيين على الشاطئ لا يمسكون بهواتفهم، كأن البحر أهم من كل الرسائل التي يمكن أن يرسلها العالم. أما نحن، فنتفقد الأخبار والرسائل، ونلتقط الصور، ونبحث عن فكرة جديدة، وأنا واحد منهم.
فتحت محرك البحث في هاتفي، وبدأت قراءة وصف ملخّص للكتاب. كانت الفكرة الأساسية تؤكد أن الناس لا يفكرون بالطريقة نفسها، ولا يرون العالم بالزاوية ذاتها. ليس لأنهم مختلفون في اللغات، بل لأن ثقافتهم تشكل عقولهم التي يرون من خلالها العالم.
الفكرة الأولى التي يطرحها الكتاب واضحة وبسيطة:
في الشرق يسأل الإنسان: ما العلاقة بين كل هذه الأحداث؟
بينما في الغرب يسأل: ما سبب المشكلة؟ وكيف نحلّها مباشرة؟
العقل الشرقي (دول شرق آسيا كاليابان)، كما يصفه المؤلف، يقبل فكرة أن هناك رأيين متعاكسين، ويمكن أن يكونا صحيحين، في الوقت نفسه. بينما يميل العقل الغربي إلى الحقيقة الأحادية: إن كان هذا صحيحاً، فالرأي الآخر بالضرورة أن يكون خطأ.
لو أضفنا العقل العربي لغرض المقارنة مع الآسيوي والغربي، فأين نجد انفسنا؟
للوهلة الأولى يبدو لي أننا لا نقف في نفس مربع الغرب، أو الشرق. وربما نحمل نموذجاً ثالثاً. نموذجاً يعطي الإنسان قيمة أكبر، من خلال مواقفه، تتجاوز الأخبار المكتوبة، والفيديوهات المنتجة، وهو بذلك أقرب إلى الفكر الآسيوي الذي يرى أن الثقة بين الأطراف تسبق إبرام العقود.
إذا افترضنا صحة ذلك، فقد يعني ذلك أن في ثقافتنا هناك مفهوم متجذّر: الثقة والسمعة أهمّ من المكتوب والمرئي. الاتفاقيات تحل النزاعات القانونية، نعم. لكن الثقة تحلّ النزاعات قبل أن تبدأ. هذه ليست حالة اجتماعية عابرة، بل هي صفة متراكمة عبر سنين من التجربة. والصورة التي يرسمها الناس عنك ليست شيئاً تُخبرهم به، بل هم من يصنعونها من خلال ما يرونه، من عملك وسلوكك. صورتك الحقيقية ليست ما تقوله أنت لهم، بل ما يفهمه الآخرون عنك.
لكن، هنا سؤال آخر يتكرر اليوم: لماذا لا تنجح بعض رسائلنا الإعلامية عند مخاطبة الجمهور الخارجي؟ ومثال على ذلك، عدم قدرة بعض رسائلنا على التأثير في ما يخص الحرب في السودان؟ ليس لأنها ليست صحيحة، بل لأننا أحياناً نخاطب العقل الغربي بمنطق العقل العربي. نحن نتحدث عن الثقة والسمعة، بينما العقل الغربي يصغي للورق والمؤسسات. ولذلك، فإن الخطاب الإعلامي، قبل أن يبدأ، يجب أن يسأل أولاً من هو الجمهور؟
إذا حدّدنا الجمهور، نحدّد اللغة، والرسالة، والمنطق، وبعدها تأتي الأدوات، والمنصات، والانتشار. اليوم، المشكلة ليست في الوصول إلى الجمهور الخارجي، فكل الأدوات الرقمية متاحة للجميع، وإنما في مدى الأثر الذي تتركه الرسالة في المتلقي، وعندما نرى حملات إعلامية مموّلة هدفها تشويه الحقائق عن الإمارات، ندرك أن المعركة ليست حول الحقائق، بل حول إدراك الجمهور لها، وحول من ينجح في بناء الثقة لدى المشاهد بمصداقية رسالته.
المصداقية هي كلمة السر، وهي الحجة التي بنت عليها الإمارات صورتها في العالم، على الصدق قبل الكلمات، وعلى الفعل قبل الشعارات.
الإمارات ليست الأكبر من حيث عدد السكان والمساحة، مقارنة بجواره، لكنه يجذب الاستثمارات الأجنبية أكثر من دول تفوقه، حجماً واقتصاداً. المال لا يجاملك، والاقتصاد لا يبنى بتقارير منفصلة عن الواقع. العالم يستثمر في الإمارات لأنه يرى حاضرها، ويثق بمستقبلها، بمؤسساتها، بقيادتها. وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى شرح طويل. إنها ببساطة هي المصداقية.
في نهاية الأمر، تعلمت من تلك الجلسة على شاطئ السعديات، وكتاب جغرافيا الفكر درساً بسيطاً، هو أن الاختلاف بين العقل الشرقي والعقل الغربي ليس في اللغة، أو العادات، بل في زاوية النظر. والمصداقية التي بنت عليها الإمارات صورتها في العالم هي المرتكز الحقيقي لسمعتها، وهي التي تجعل العالم يأتي إليها، ويثق بمستقبلها، ويستثمر فيها، مدركاً أن الإمارات أرض الأفعال، وليست الشعارات. وهنا أتذكّر ما قاله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، قبل سنوات عدّة:
«أغلى ما نمتلك في بلادنا على مَرّ الأيام، ولازم نورّثه لأجيالنا، ونظهره قدّام العالم، هي مصداقيتنا».