حتى وقت قريب، وبعضنا يتذكر هذا، كانت الأشياء تصنع لتبقى، وكانت البيوت تعتز بقطع الأثاث التي عاشت معها عقوداً، وبالملابس التي يتم رتقها لتعود جديدة، وبالأجهزة التي تصلح مراراً دون أن يخطر ببال أحد رميها. كانت «ثقافة الإصلاح» هي السائدة، وهي ثقافة لا تتعلق فقط بالمادة، بل كانت تمتد لتشمل نظرتنا للروابط الإنسانية والعلاقات الاجتماعية، وهذه الروابط هي الجانب الأهم في حياتنا، تلك الروابط والأسس البشرية التي يفترض فيها الحضور القوي في حياتنا.
اليوم ودون أن نشعر، تسللت إلى بعض الناس عقلية «السوق»، في العلاقات الشخصية. أصبحنا نعيش في عصر «الاستبدال السريع». إذا تعطل الهاتف اشترينا غيره، وإذا واجهنا صعوبة مع صديق، أو خلافاً مع شريك أو أي أحد، أو مللاً في وظيفة، فإن الحل الأسرع الذي يقفز إلى أذهاننا هو «البديل موجود».
لقد أصبحنا نتعامل مع البشر كما نتعامل مع المنتجات، نبحث عن «المواصفات الكاملة»، ونريد علاقات جاهزة ومريحة لا تتطلب منا جهداً أو صبراً. ننسى أن العلاقات العميقة والحقيقية ليست بضاعة نجدها على الرف، بل هي بناء طويل الأمد، يحتاج إلى ترميم مستمر وصيانة، وإلى سعة صدر تتجاوز الزلات، وإلى قدرة على تجاوز الأيام العادية والمملة أحياناً.
الخطر الحقيقي في هذه الثقافة الاستهلاكية للعلاقات هو أنها تجعلنا «غرباء» دوماً، وتجعل الروابط هشة. ننتقل من شخص لآخر، ومن دائرة لأخرى، بحثاً عن كمال لا يوجد، هاربين من حقيقة أن كل إنسان لديه عيوبه، وأن الحب والصداقة الحقيقية هما «فعل» نقوم به وليسا مجرد «شعور» نتلقاه.
إن الروابط التي تدوم هي تلك التي مرت بتحديات وجروح وشروخ ثم قرر أصحابها إصلاحها بدلاً من الهروب منها، فالبيوت لا تقوم على أساسات من حب فقط، بل على أساسات من صبر وتغافل ورغبة حقيقية في الترميم. ربما نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى أن نعيد الاعتبار لفكرة أن «القديم» الذي نصلحه ونعتني به، أثمن وأنبل بكثير من «الجديد» الذي يلمع بلا تاريخ أو تحديات حقيقية تخبرك أنه هو الشيء الذي سوف يصمد معك وأنه الشيء الذي يستحق أن تقضي عمرك معه فعلاً، فالعلاقة القوية لا تأتي من كثرة الخيارات والبدائل، بل من التزامنا بما اخترناه، والعمل على رعايته ليزهر، مهما كانت الظروف.
ثقافة الاستبدال
5 ديسمبر 2025 00:25 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 ديسمبر 00:25 2025
شارك