أليس طريفاً أن يكون آخر ما يشغلنا به الإمبراطور، وقائع التاريخ؟ كيف نفهم قوله: «سأحلّ صراعات ثلاثة آلاف عام في الشرق الأوسط»؟ لقد أزرى الدهر بالعالم العربي، الذي قامت على أرضه حضارات مجموعها ثلاثون ألف سنة، علّمت الدنيا ما لم تعلم، ويأتي رجل عقارات من أقصى المحيط الأطلسي، ليرينا كيف يبدع جنّة ريفيريّة، على جثث أطفال غزّة. واتاريخاه، كيف خاننا المؤرخون، فلم يقل لنا أحد منهم حرفاً عن قائمة الصراعات التي أحاط بها الإمبراطور، وأصدر الحكم بإغلاق ملفّاتها، بينما أربعمئة مليون، حائرون أمام ثمانين عاماً من مشكلة في رقعة صغيرة من ملايين كيلومتراتهم المربعة.
لكن، حذار أن تركن إلى العقل والمنطق والتحليل العلمي المنهجي، حين تكون أمام أقوال وأفعال لرجل من هذا القبيل. ستقع في المطب فريسةً للأوهام. فيلسوف التاريخ، الإيراني الراحل، باستاني باريزي، (له ستون كتاباً) يقول: «يتهمونني بأنني أدخلت السخرية في التاريخ، والتاريخ في السخرية»، أمّا الإمبراطور فقد أدخل السخرية في التاريخ والسياسة، والتاريخ والسياسة في السخرية، وطبخ الكل في قِدْر العقارات. هذا ليس تقوّلاً، فقد قال عنه لاورانس ويلكرسون، العقيد المتقاعد، مدير مكتب وزير الدفاع الأسبق كولن باول، في حوار مع البروفيسور والسياسي النرويجي غلن ديزن: «ترامب يفكر في السياسة كرجل عقارات. رجل العقارات يعقد صفقةً وتنتهي، ثم يعقد أخرى، وهكذا. في السياسة ذلك يعني عدم وجود استراتيجية استمرارية».
تريد أن ترى السخرية؟ عد إلى مؤتمر يالطا، فبراير 1945، حين اجتمع ستالين وروزفلت وتشرشل، لتقرير مصير أوروبا. اليوم، ترى جاريد كوشنر وستيف ويتكوف مع الرئيس الروسي بوتين. المسألة وما فيها: إدارة شؤون خاصة، تحت مظلة شؤون عامّة. بعبارة أفصح: «ما هو نصيبي من الكعكة الأوكرانية؟» فيقول له الدب: «لقد أتيت أهلاً ونزلت سهلاً في أوكرانيا، وسأكرم مثواك في فنزويلا».
المغزى هو أن على العالم العربي أن يدرك أن القوة المهيمنة التي ترى الأوطان والسيادة والهوية والشعوب وتاريخها أموراً هامشيةً، وأن القيمة الحقيقية المهمة هي قابليتها للإلغاء، هي عالم يستدعي حالة التأهب القصوى.
لزوم ما يلزم: النتيجة الحسابية: الرجل في ثلاث سنوات بقيت له، يريد حلّ صراعات ثلاثة آلاف عام، نحن لا نعرف حتى ما هي.