محمد خليفة
يقول عالم الفيزياء ماكس بلانك، صاحب نظرية الكم: «إن العالم الذي لا يحده قياس، عالم العقل والمادة». فالإنسان يعيش على سطح هذا الكوكب في عالم صغير للغاية، ومنساق في المدى الهائل والأبدية، ومبحر في محيط أكوان عظمى، شاهداً على القدرة المبدعة.
هذا الفضاء كله هو مجال النظر والتأمل الذي يحرك انفعال الدهشة والحيرة مع وجدان الإيمان، لكن يد العبث توشك أن تنال منه، فلم تعد الحرب مجرد تخيلات، بل أصبحت واقعاً في ظل امتلاك القوى العالمية الكبرى لآلاف الأقمار الصناعية، والأسلحة النووية الموضوعة في المدار المنخفض، والتي يمكن لها أن تصيب الخصم بكوارث ضخمة. والدولة التي تستطيع الإمساك بالفضاء وإخراج خصومها منه تستطيع أن تحسم معركتها على الأرض، فالعيون الفضائية بات لها الأثر الأكبر في تحديد مواقع الخصم وإنزال الأذى به.
إن أية حرب كبرى قد تحدث بين روسيا والصين من جهة، وبين الولايات المتحدة وحلفائها في العالم من جهة أخرى، سوف تكون حرباً ميدانها الرئيسي الفضاء. ولذلك تسارع هذه الدول لوضع الخطط والاستراتيجيات، وإطلاق أحدث الأقمار الصناعية إلى الفضاء، لاستخدامها في عمليات قتالية ضد الأقمار الصناعية المعادية. كما تقوم هذه الدول بإجراء المناورات الفضائية والأرضية للتدرب على تكتيكات وتقنيات وإجراءات لتنفيذ عمليات فضائية في المدار من قمر صناعي إلى آخر.
في هذا الصدد انعقدت الدورة العاشرة من مناورات «سيف تاليسمان» التي تُجرى كل عامين بقيادة أستراليا والولايات المتحدة. وتتضمن هذه المناورات تدريبات مشتركة تُجريها قوات الدفاع الأسترالية والجيش الأمريكي في 6 مواقع على الأراضي الأسترالية، والأمريكية، جرت هذه المناورات بمشاركة قوة الدفاع الذاتي الجوية اليابانية، مع قوات أخرى من نحو 10 دول. وقد ركّزت التدريبات على إجراءات جمع وتحليل موجات الراديو التشويشية الموجهة للأقمار الصناعية.
ويستخدم الجيش الأمريكي الفضاء في 5 مجالات رئيسية هي: «الوعي الفضائي، وتعزيز قوة الفضاء. وتتولى قوة الفضاء، التي تأسست، مسؤولية حماية الأصول الفضائية الحيوية مثل: نظام تحديد المواقع العالمي «GPS»، وأقمار الطقس الاصطناعية،
مع توفير القدرات الفضائية للفروع العسكرية الأخرى. بالإضافة إلى توفير دقة الاستهداف عبر نظام تحديد المواقع العالمي. وتملك القوة الفضائية الأسلحة المُضادة للأقمار الصناعية، والقدرة على إدارة حرب الذكاء الاصطناعي عبر الأقمار الصناعية.
ووفقاً لقوة الفضاء الأمريكية، تمارس الصين «مناورات جوية» بالأقمار الصناعية. ويشهد البرنامج الفضائي الصيني، توسعاً سريعاً. فقد أثبتت الصين قدرتها على تدمير الأقمار الصناعية باستخدام مركبات تدمير حركية. كما طوّرت تقنيات أخرى للأسلحة المضادة للأقمار الصناعية، بما في ذلك الليزر والموجات الدقيقة عالية الطاقة لحجب أجهزة الاستشعار وتشويش الاتصالات.
ولدى الصين القدرة على إلحاق ضرر كبير بأنظمة الملاحة العالمية الأمريكية «GPS» التي يعتمد عليها الجيش الأمريكي في تنفيذ عملياته. وهي تملك نظاماً للملاحة عبر الأقمار الصناعية، والمعروف باسم «BeiDou، بيدو» الذي يمنحها حرية الحركة في أوقات السلم والحرب، ويجنبها المراقبة والتجسس من خلال النظام الأمريكي. كما تملك الصين القدرة على تعطيل إشارات الأقمار الصناعية المخصصة للمراقبة والاستطلاع الاستخباراتي بالليزر، كما تستطيع التعامل مع قمر صناعي معادٍ وسحبه إلى مدار مختلف. ولدى روسيا أنظمة الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية مثل نظام الملاحة عبر الأقمار الصناعية «GLONASS». وتشير التقارير إلى أن روسيا تعمل على تطوير سلاح نووي فضائي يمكن استخدامه لتعطيل الأقمار الصناعية، كما تستخدم أنظمة مثل: نظام الاتصالات الساتلية المتكامل (ESSS) مع أقمار صناعية في مدارات مختلفة: في المدار الإهليليجي العالي «HEO»، والمدار الثابت مع الأرض حول خط الاستواء «GEO»، والمدار الأرضي المنخفض «LEO»، كما تستثمر روسيا في تقنيات مثل: صواريخ الدفاع الجوي المضادة للأقمار الصناعية «ASAT». وقد أثبتت قدرتها على مناورة الأقمار الصناعية بالقرب من أجسام أخرى في الفضاء. ويوم الأربعاء الماضي، أعلن الرئيس الفرنسي رسمياً دخول بلاده سباق التسلح الفضائي، وقال إن الفضاء لم يعد ملاذاً آمناً، بل تحول إلى ساحة معركة مكتملة الأركان، واتهم روسيا بتنفيذ عمليات التجسس في المدار. وأضاف أن التهديد الروسي قد يتوسع إلى احتمال نشر أسلحة نووية في المدار.
إن التركيز على الحرب الفضائية إنما هو دليل على أن هذه الحرب باتت وشيكة في ظل الاحتقان الذي يسود العالم.