خلال سعينا المستمر نحو «الإيجابية»، أصبحنا نعيش في عصر يطارد فيه الحزن كأنه فيروس يجب القضاء عليه فور ظهوره. نرى منصات التواصل تضج بعبارات مثل «تجاوز الأمر»، «كن قوياً»، «لا تستسلم للسلبية»، وكأن المشاعر الإنسانية الثقيلة عيب مصنعي في الإنسان يجب إصلاحه، وليست جزءاً أصلاً من تكويننا البشري.
قد نكون بدون أن نشعر خلقنا ثقافة لا تسمح للإنسان بأن يعيش المشاعر المتنوعة الطبيعية، أو أن يأخذ وقته في استيعاب الخيبات. أصبح المتوقع منك بعد أي صدمة -فقدان عزيز، أو تعثر وظيفي، أو انتهاء علاقة- أن تمسح دموعك سريعاً، وتبتسم للكاميرا، وتعود لروتينك وكأن شيئاً لم يحدث، لأن التوقف يعني «الضعف»، والضعف في عرف هذا العصر ممنوع.
لكن الحقيقة التي نغفل عنها هي أن الحزن لا يعني أن الشخص لا يوجد لديه أي قوة، بل هي ممر إجباري نحوها. العظام التي تلتئم بعد الكسر تصبح أقوى في موضع الكسر، لكنها تحتاج إلى وقت وتجبير وراحة لتفعل ذلك. ونحن، حين نحرم أنفسنا من حقنا الطبيعي في الحزن أو الإحباط المؤقت، وحين نكبت مشاعرنا تحت قناع «الإيجابية المصطنعة»، فإننا لا نصبح أقوياء، بل نصبح «قساة» من الخارج، ومحطمين من الداخل.
محاولات القفز فوق المراحل النفسية لا تلغي الألم، بل تؤجله. الألم الذي لا نعالجه اليوم سيعود غداً في هيئة غضب غير مبرر، أو أرق، أو أمراض جسدية، أو برود عاطفي تام تجاه كل شيء. القوة الحقيقية ليست في ألا تشعر بالألم، بل في أن تمتلك الشجاعة للاعتراف به، ومعايشته، وفهمه، ثم تركه يرحل بسلام حين ينتهي دوره.
نحن بحاجة إلى استعادة إنسانيتنا الطبيعية، تلك المشاعر التي تتسع للفرح وللحزن، للإنجاز وللتعثر. لا بأس أن تغلق عليك باب غرفتك لبعض الوقت، لا بأس أن تقول «أنا لست بخير اليوم»، ولا بأس أن تدرك أنه تمر علينا أوقات ضعف وأن تدرك متى يجب أن تطلب المساعدة.
أحد أشهر مقولات جلال الدين الرومي التي من الممكن أن تكون ملهمة حول أثر الجرح في حياة الإنسان: «الجرح هو المكان الذي يدخل منه النور إليك».
وهذا يعني ببساطة أننا لا نتعلم من لحظات الراحة بقدر ما نتعلم من اللحظات التي تكسرنا ثم نعيد بناء أنفسنا بعدها. إن محاولة الهروب من المشاعر السلبية هي هروب من الدرس الذي جاءت لتعلمنا إياه. تصالح مع بشريتك، فالحياة ليست سباقاً لمن يظل مبتسماً أطول وقت ممكن، بل رحلة نخوضها جميعاً بجميع مشاعرنا.. مهما كانت الظروف.
حقك في أن تحزن
6 ديسمبر 2025 00:55 صباحًا
|
آخر تحديث:
6 ديسمبر 00:55 2025
شارك