ما هو أثر غياب النقد في الحياة الثقافية؟ سؤال مهم، وعلى الأوساط الثقافية أن تتحمّل أشواكه. قبل الدخول في الاستدلالات، التي لا تخلو من عيوب، لكونها كأنها تدّعي أن طول غياب الحركة النقدية، يكاد يعني أن من الأمور الأساسية ما ليس واضحاً بدقة لدى المعنيين من المثقفين.
ما لا شك فيه، منطقاً وعقلاً، أن الوضع الثقافي السليم هو ذلك الذي ينشأ وفي صميمه حركة نقدية، هي أشبه بالمولود الذي يولد ومعه جهاز مناعة. تخيّل أن يتأخر نشوء جهاز المناعة لدى الإنسان، بضعة عقود. مجرّد خيال، وإلّا فإن الأمر محال. سيكون قد انتهى منذ أوّل زكام.
من الضروري أن تعكف الأوساط الثقافية على إثراء المسيرة بالبحوث النظرية، وإخراجها إلى حيّز الوجود بالتطبيق السليم. في هذا المجال مسائل في غاية الظرافة، مثلاً، الثقافة، وتحديداً التيارات الإبداعية، لا تنمو ولا تتطور ولا تتقدم، قيد أنملة، بالتغطيات الإعلامية، حتى لو صار للنشاط الواحد، أو العمل الإبداعي الواحد، ألف تغطية. التطوّر يكون بالبحوث النظريّة والنقد.
عندما نتصفح الإعلام الثقافي، يصدمنا غياب النقد في الآداب والفنون. المريب، أن الموضة السائدة هي الاستعراضية والمهرجانية. أبسط مثال: مؤتمر الموسيقى العربية، انتهى به المطاف إلى عروض فِرق موسيقية ومطربات ومطربين. ظاهرة لا تصدق، أنه منذ مؤتمر القاهرة 1932، لم يحدث ولا حتى 1% من التطور أو التطوير النظري في الموسيقى العربية. قس على ذلك أن جيوش الشعراء العرب، ومعهم حشود النقاد، لم يفكّروا في آفاق إبداعية للشعر العربي، وكأنهم ينتظرون أن تمطر سماء الآداب والفنون الغربيّة، تيّارات تشقّ دروباً جديدةً للإبداع ليتحركوا تابعين.
يبدو أن النقاد طوال العقود الأربعة الأخيرة، ظلت لديهم صُبابة فطنة، فلما رأوا منحدر تردّي الإبداع، تواروا. أحد الذين ضاقوا ذرعاً بحالات انعدام الوزن الثقافية، قال: على الشعراء العرب اليوم أن يندى لهم الجبين، فأولئك النوابغ الجاهليون أبدعوا ثروة إيقاعية في موسيقى الشعر، ومعاصرونا ألقوا بها إلى سلة المهملات، وهم فرحون بنثرهم الهزيل، وتنكيلهم بلغتنا.
لزوم ما يلزم: النتيجة الاحتيالية: من العبث الحديث عن النقد، فحتى يُسدّ الباب الذي تأتي منه الريح، قطعوا دابر الصحافة الساخرة من العالم العربي.
خواطر في غياب النقد
9 ديسمبر 2025 01:08 صباحًا
|
آخر تحديث:
9 ديسمبر 01:08 2025
شارك