مفتاح شعيب

مثلما حملت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة بعض المفاجآت بشأن ملامح سياسة واشنطن الخارجية، لم تجانب أيضاً التوقعات بشأن المرحلة الانتقالية التي تمر بها الولايات المتحدة والعالم، وما تشهده من متغيرات متسارعة وأزمات أمنية واقتصادية أفرزت واقعاً جديداً يفرض على جميع القوى الفاعلة إعادة بناء أولوياتها والاستعداد لعهد مختلف عن كل ما سبق.
منذ إعلانها واجهت هذه الاستراتيجية الجديدة جملة من الانتقادات، رغم أن الكثير مما تضمنته صحيح ويعبّر عن تغيير في الوعي الأمريكي يتساوق مع شعار الرئيس دونالد ترامب «أمريكا أولاً»، ويطرح رؤية خارجة عن المألوف للعالم، من ملامحها أن أمريكا اللاتينية باتت تتصدر أجندة السياسة الخارجية للولايات المتحدة في السنوات الأربع المقبلة على الأقل، على حساب الاهتمام السابق بمواجهة الصين، المنافس القوي وسريع التطور، وكبح جماح روسيا، القوة التي توصف بالخطرة والتهديد العسكري الأكبر.
أما الاتحاد الأوروبي فقد أصبح في الاستراتيجية الجديدة خصماً أقرب منه إلى الحليف، عندما تعهدت الوثيقة بدعم معارضي القيم التي يقودها التكتل، وهو ما يثير مخاوف جدية على مستقبل الاتحاد، ومن احتمال زيادة حضور القوى غير المؤمنة به أصلاً، في أوساط الأحزاب الشعبوية يميناً ويساراً، خصوصاً في هذا الظرف الحرج، بعدما نزفت أوروبا طويلاً وأصبحت منهكة جراء تداعيات الحرب الدائرة في أوكرانيا وتصاعد النبرة العدائية مع روسيا.
فهم استراتيجية ترامب الجديدة لا يمكن تقصي أبعادها إلا بوضعها في السياق الدولي الجاري، وهو سياق يتأرجح ويتقلب بسرعة شديدة وغير قابل للتنبؤ، ويحمل بين طياته قلقاً أمريكياً متنامياً من فقدان الهيمنة والمكانة، وهو واقع تعيه الولايات المتحدة وإن كانت لا تقر به، وعبّرت عنه بالمبدأ الجديد عن «تعديل الوضع في العالم» ومراجعة سياسة الهيمنة التي اتبعتها الإدارات السابقة منذ الحرب العالمية الأولى، وبلغت ذروة غرورها مع انهيار الاتحاد السوفييتي، لكن المعادلات بدأت تتغير وتتضح مع اندلاع الحرب في أوكرانيا وتعزيز روسيا تحالفاتها مع الصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا، التي تقود مجتمعة تحالفاً ينادي بنظام دولي متعدد الأقطاب.
يقول الزعيم الفرنسي الراحل الجنرال شارل ديغول في مذكراته إن «الأمريكيين يقاربون الشؤون العظيمة بمشاعر بدائية وسياسات معقدة»، غايتها تصوير الدور الأمريكي على أنه الأقوى والأقدر على إحداث الخوارق والفوز بالصفقات، وهي معايير سليلة ثقافة تقرن السطوة على الآخرين بالمسدس والدولار، وهذه اللعبة تصبح سياسة مفضوحة في العالم عندما تواجه الولايات المتحدة أزمة أو تهديداً خارجياً يمس مكانتها، وقد عبّر عنها ترامب وإدارته بشعار «السلام من خلال القوة».
ورغم فشله النسبي ومحدودية نجاحه، هناك إصرار على التمسك به والترويج له كواحد من أبرز عناوين القوة الأمريكية، رغم أن الواقع الداخلي والدولي يؤكد عكس ذلك تماماً، لأن الاستراتيجية الجديدة تحاول رسم صورة سريالية للهيمنة يمكن تسويقها بعيداً عن ميادين محتملة للصدام مع قوى أخرى مثل روسيا والصين.

[email protected]