ما الذي على العربي، في هذه الحقبة، أن يخشاه؟ إن كنت تريد الحقيقة، فعليك بجِلد كركدن لقلبك المرهف. مكمن الريبة اليوم هو أن يكون العالم العربي غير مكترث لنظام عالمي بدأ يحزم حقائبه على مضض، وآخر يُسرج خيوله موقناً أن الرحلة ستكون طويلة وشاقة.
ذكر القلم غير مرّة رأيه الغريب الذي لم يسنده مفكر أو منظر، يقول: حين تقترب ساعة انحدار قوة عظمى، تصاب بالحماقة، فلا تعود تعرف الخطأ من الصواب، وتنفلت مقاليد القوة وكوابح السلوك، فتتداعى روادع العقل وتتغول الغرائز الضارية. أليس مدعاةً إلى العجب أن ينقضّ الغرب على منظومة القيم، التي تعب فلاسفته ومفكروه في الدعوة إليها والتفاخر بالذود عنها، حتى بلغ الأمر به حدّ احتلال البلدان والفتك بشعوبها، بذريعة نشر المبادئ؟ ما الذي فعلوه بفيتنام وأفغانستان ويوغسلافيا والعراق وليبيا وسوريا وغداً فنزويلا؟ هل على المنكوبين أن يكتفوا برثاء ضحاياهم؟
التراجيكوميديا أن منسوب الفكر والإدراك لديهم تردّى إلى حد أنهم بعد مهزلة «ريفيرا غزّة»، يقولون لأهل القطاع وللعرب جميعاً: أفلا تشكرون نعمة التاج والصولجان؟ ما لكم تُجرّون إلى الفردوس بالسلاسل أيها الجاحدون؟
لا غرابة في انخفاض منسوب الفكر والإدراك، فالعلة جلية. هل تعرف فلاسفةً أو مفكرين لهم تأثير نظري أو تطبيقي في سلوك السياسيين في الإمبراطورية والغرب عموماً، الآن وفي السنوات الأخيرة؟ ألديك مثال لاقتداء الإسكندر المقدوني بفكر الفيلسوف أرسطو، أو شارل ديغول وكيف كان يتساقى كؤوس المعارف مع الأديب المفكر أندريه مالرو؟ في المقابل نرى انهيار منظومات القيم في جل القرن العشرين. أقفر شمال القارة الجديدة من الفلاسفة والمفكرين، وسطا على مكانتهم عتاولة الجغرافيا السياسية، أمثال بريجنسكي وكيسنجر، وصار الهدف تمزيق الخرائط في الجهات الأربع. أولئك عمالقة قياساً على ورثتهم، الذين جعلوا سياسة القوة العظمى ودبلوماسيتها صفقات خاصة في العقارات وغيرها.
لزوم ما يلزم: النتيجة العويلية: ثمانية عقود من القتل والتشريد، ليعلم العرب في النهاية أن الهدف «ريفيرا». شركات الإنتاج لم تتحفنا بمسلسل اسمه: «القضية المركزية منتجع سياحي».