عبداللطيف الزبيدي 

هل هذا الطرح سابق لأوانه، كتهيئة السجّاد قبل الجامع؟ مضى خمسة وثلاثون عاماً على ابتكار ظريف: تأسيس جائزة نوبل للحماقة العلمية: «إيغ نوبل». هذه فاتتك يا عبدالرحمن بن الجوزي، وإلّا لكانت فريدة «أخبار الحمقى والمغفلين». طرافة هذا الكتاب المتميّز، الذي فاق شهرة شقيقه: «أخبار الأذكياء»، هي أن القرّاء قد يحملهم تيار النوادر، فيغفلون عن الحقيقة الجوهرية: هذا النوع من التأليف، من أصعب الكتابات الإبداعية.
نوادر الحمقى هي من إبداع ابن الجوزي، أو أن يكون نقل لطائف منها عن آخرين، لكنها قطعاً إبداع قلمي خالص. هي ليست ضرباً من النكتة أو«القفشة»، لأنها ليست هشّة البنيان كالنكت، وعسير تغيير عناصرها، مثلما يحدث في النكتة، حين تتغيّر البيئة والأشخاص، كانتقال المحيط من الصحراء إلى سيبيريا، فيغدو صالح فلاديمير، وأحمد ديمتري، والجمل دبّاً. نوادر الحمقى ليست نكتاً، بل أدب. لطائف القضاة فيها إلمام بالفقه والقضاء، وطرائف النحاة الحمقى، وراءها ذكاء وعلم وفن ساخر. خذ سنةً كاملةً، وأتحفنا بمُلحة من هذا الطراز الرفيع.
ها نحن في قلب الملعب: جائزة نوبل للحماقة، ليست للفكاهة؟ تقول اللجنة: «الهدف مكافأة الاكتشافات العلمية الغريبة غير المألوفة، التي تُضحك الناس، ثم تجعلهم يفكّرون». تخيّل أهميّة الحماقات العلمية، من خلال مسرح منح الجائزة بجامعة هارفارد الأمريكية. العالم الجليل الموسوم بالحماقة، هو الدرة اليتيمة بين تسعة آلاف لؤلؤة حمقاء. يقول مؤسس الجائزة: «نريد أن نظهر للأجيال الجديدة، أن العلم جادّ، لكنه ليس خلواً من الدعابة».
العلوم علوم، حتى ولو كان مجال التجربة هزلاً. مثل طرائف المغفلين، يعتقد القلم أن ابن الجوزي، إن كانت المادة كلها من إبداعه، قد قضى في تأليف الكتاب أضعاف ما قضاه في جل مؤلفاته. إبداع طرفة في ثلاثة أسطر، لا يكون من عفو الخاطر. من نوبل الحماقة ننتقي من كل عام مجالاً واحداً. سنة 2000 في المعلوماتية: اختراع لوحة مفاتيح، تستشعر أن قطّاً يمشي لا أنامل إنسان. 2005 في الكيمياء: الناس يسبحون أسرع في العصير أم في الماء؟ 2010 في الفيزياء: الناس يسقطون أقل على الأرصفة الجليدية، إذا ارتدوا جوارب فوق الأحذية. 2025 في التغذية: سحلية قوس قزح، تبدي افتتاناً بالبيتزا بالأجبان الأربعة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الأنوائية: ألا تتمنى الشعوب أن تمطر السماء أجيالها بهذه الحماقات الألمعيّة؟

[email protected]