عبدالله السويجي
حين نضع هذا العنوان فإننا لا نقدّم ضبابية متعمّدة، لأن الفهم المنطقي يذهب إلى السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين. هذه الكلمة (السلام)، تثير حساسية لدى الطرفين، وربما حساسية عند الإسرائيليين أكثر من الفلسطينيين، فالسلام مع الفلسطينيين كما تفهمه إسرائيل يعني سلخ القدس الشرقية عن كامل القدس، ويعني عودة اللاجئين إلى أراضيهم التي هُجّروا منها في عامي 1948 و1967، ويعني وقف بناء المستوطنات وهدم أخرى، ويعني حل الدولتين، أي إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة تمتلك كل مقوّمات الدولة. ومن جانبها، ترفض إسرائيل هذه المطالب وتتمسّك بوحدة القدس، وبعدم عودة اللاجئين، والاحتفاظ بالمستوطنات حتى لو كانت داخل الأراضي الفلسطينية، إضافة إلى هواجسها الأمنية وعدم الثقة بالفلسطينيين، ويحدث هذا في ظل وجود توجهات واتجاهات مختلفة لدى الطرفين.
لقد نشطت الماكينة السياسية في فترات مختلفة وتم توقيع اتفاقيات عديدة لكنها لم تُنفّذ رغم وجود ضامنين. وسنستعرض هنا الاتفاقيات التي تطرّقت للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين:
* أولاً: اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في عام 1978، لم تتحدث عن الفلسطينيين بشكل مباشر لكنها وضعت أساساً لفكرة الحكم الذاتي.
* ثانياً: مؤتمر مدريد الذي عُقد في عام 1991 وكان أول مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والفلسطينيين، لكنه لم يفض إلى نتائج ملموسة.
* ثالثاً: اتفاقية أوسلو في عام 1993، أفضت إلى اعتراف متبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل وإنشاء السلطة الفلسطينية، لكن لم تُنفّذ بنودها بالكامل.
* رابعاً: قمة كامب ديفيد الثانية في عام 2000 حيث فشلت المفاوضات بين عرفات وباراك واندلعت على أثرها الانتفاضة الثانية.
* خامساً: مؤتمر أنابوليس في عام 2007 وكان عبارة عن محاولة لإحياء المفاوضات لكنها توقّفت سريعاً بسبب الاستيطان والانقسام الفلسطيني.
* سادساً: مفاوضات كيري عامي 2013 و2014 وتوقفت بسبب الاستيطان ورفض إسرائيل تقديم تنازلات جوهرية.
* سابعاً: صفقة القرن في عام 2020، وهي خطة أمريكية اعتبرها الفلسطينيون منحازة لإسرائيل ورفضوها.
* ثامناً: محاولات متفرّقة عبر وساطات دولية في الفترة بين 2023 و2025 لم تحقّق أي نتيجة أو اتفاق نهائي بسبب الحرب في غزّة.
وفي الجانب الفلسطيني وقع انقسام أدى إلى سيطرة حركة حماس على قطاع غزّة في عام 2007، وتبادلت حركة فتح، كبرى التنظيمات الفلسطينية، وحماس الاتهامات، ولا يزال الخلاف على أشدّه بين السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة حماس، حتى بعد السابع من أكتوبر 2023، وبعد الدمار الذي تعرّض له قطاع غزة وطال الغزّيين، فشرّدهم وقتل منهم الآلاف. أما بخصوص السلام في قطاع غزة فإنه على الرغم من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار إلا أن العمليات الحربية والقصف لا يزال مستمراً من قِبل إسرائيل.
نحن لا نشكّ بأن الفلسطينيين يريدون السلام، ويقدمون التنازلات تلو الأخرى لتحقيق الشروط الدنيا لإقامة دولة فلسطينية، لكن هناك ما يمنع إسرائيل، هنالك أسباب استراتيجية ونفسية وهواجس تتعلق بالوجود، وهذا يمنعها، أو على الأقل، يجعلها متردّدة في الالتزام بأي اتفاقية سلام، ولهذا، تواصل بناء المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو ما يُعتبر خرقاً للقانون الدولي ويجعل أي تسوية سياسية شبه مستحيلة.
ومن المعروف أن المستوطنات تُغيّر الواقع الديموغرافي والجغرافي، وتُضعف إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة. كما تواصل إسرائيل، عبر سياسييها، وخاصة اليمين المتطرّف، رفض حل الدولتين، رغم أن المجتمع الدولي يوافق على هذا الطرح منذ عقود. ويكرّر بنيامين نتنياهو، رئيس الحكومة الإسرائيلية بين فترة وأخرى أن اتفاق أوسلو مات، ما يعكس رفضاً رسمياً لأي تسوية على أساس دولتين. ومن جانب آخر، تصرّ إسرائيل على اعتبار القدس عاصمة موحّدة، بينما يرى الفلسطينيون القدس الشرقية عاصمة دولتهم المستقبلية. وأيضاً، ترفض إسرائيل البحث في قضية اللاجئين الذين يزيدون على خمسة ملايين إنسان، بل ترفض عودتهم خوفاً من تغيير التوازن الديموغرافي. ناهيك عن إدخال عامل الدين، فبعض الجهات تعتقد وجود حق ديني في أرض فلسطين.
من يراقب تاريخ دولة إسرائيل منذ إنشائها في عام 1948 حتى اليوم يلاحظ استدامة الحروب والمعارك والعمليات العسكرية، ولا يكاد يمر يوم من دون عمليات عسكرية، ومطاردات ومعارك وحروب صغيرة وكبيرة، هذا لأنها ربما، تجد أن السلام يشكل خطراً على الكيان الإسرائيلي كوجود. ويعتقد محلّلون كثيرون أن السلام عدوٌ لإسرائيل، لأنه أولاً يلزمها بتحديد حدود جغرافية لها، وهذا ما لا تريده، وثانياً، ستتفجر التناقضات من الداخل الإسرائيلي، حتى أن البعض يتنبّأ بنشوب حرب أهلية بين الفرق المتناحرة.
إسرائيل لم تجرّب العيش بسلام يوماً واحداً في تاريخها، ولو نفّذت اتفاقية أوسلو، وساعدت الفلسطينيين على إقامة دولة مستقلة لهم، لحصدت السلام، رغم أن الفلسطينيين تنازلوا عن جزء كبير من الضفة الغربية، كل ذلك من أجل السلام. ولو ضغطت الولايات المتحدة على إسرائيل لوجدنا دولة فلسطينية قد تحققت منذ عشرين سنة، فهل هنالك مصلحة إسرائيلية أمريكية بشأن عدم قيام دولة فلسطينية وتحقيق السلام؟