عبد الإله بلقزيز
تُواجِه كل حديث أو نظر في مسألة نقْد الذات ومثالبِها، وتصويب عثْرتها بالتقويم اللازم، حالتان سلبيتان نقيضتان: رفض مبدأ النّقد الذّاتيّ، جملة، والنّظر إلى من يدعو إليه بريبة أو بإنكار، من جهة، والانصراف إليه - في المقابل - والإيغال فيه إلى حدود تجريح الذات والزِّراية بها من جهة ثانيّة.
يتّخذ رفض مبدأ النقد الذاتي أشكالاً وصُوَراً متباينة، بعضها بيّن مفصوح عنه لا يَعْسُر إدراكُه، وبعضها مُضمر محجوب يحتاج إلى جهد لاستخراجه، ثم إن بعضها مباشر لا التواء فيه فيما بعضها الثاني غير مباشر. على تَعدد هاتيك الصور والأشكال، سنكتفي بالإشارة إلى اثنين منها يتبدى فيهما ذلك الرفض في نطاق حدّيْن: حدٍّ أدنى (مباشر) وحدٍّ أعلى (غير مباشر):
في الحدّ الأدنى منه يبدو رفض مبدأ النقد الذاتي في صورة إعراض عنه إعراضاً كلياً وعدم تجريب أي مستوى من مستوياته. قد يصاحب هذا الإعراض إبداء مواقف سلبية منه قولاً أو كتابة، أو مساجلة للداعين إليه، وقد يكون إعراضاً مجرّداً من كل مصاحَبة كلاميّة تزيد إيضاحاً له وتأكيداً، لكنّه - في الحالين - يُفصح عن نفسه، من غير التواء، بما هو امتناع عن إتيان فعل وضع الذات موضع فحص نقدي. أما في الحد الأعلى من رفض النقد فيتبدى الأخير في شكل ينْزع فيه إلى النقيض التام من فعل النقد: أعني يميل إلى ممارسة كَيْلِ المديح للذّات والتّزيّد في أفعال اعتبارها والارتفاع بمقامها إلى ما يعلو الشبْهات وإلى عدِّها، بالتّالي، منزهة عن الأخطاء وعصية على الإخطاء! إنه الرفض في أقصى حدوده، الرفض الذي لا معنى له سوى ما يفصح عنه ببلاغة لا مزيد عليها: الوَلَهُ بالذّات إلى حدود مَرَضية (نرجسيّة).
أما الإمعان في نقد الذّات والاحتساب عليها فيجاوز، هنا، الحدود المطلوبة والمرغوب فيها ليصبح انغماساً مَرضياً في ممارسة أفعال الإيذاء لها، وإدماناً للقدْح فيها والتّقريع ليس يُنتَفَع بنتائجها أي وجْهٍ من وجوه الانتفاع. هذا ضرب من النقد الضار والعشوائي المصروفِ في غير مصارفه التي تؤدّيه إلى أداء وظائفه الفاعلة. قد يكون، في مَنْشئه، ردّ فعْل على موقف تبجيل الذات وتعظيمها، لكنه ينتهي إلى الرد على حالة مَرضيّة بأخرى لا تقِل عنها في المرض.
أما الذين يأتون مثل هذا المنزع النقدي المتضخّم ويستغرقون فيه - وهم يوجدون في المجتمعات والثقافات كافة - فلا يعالجون معضلة وإنما يكتفون بتنظيم حفلة ذمٍّ لها ليس أكثر، والغالب على فعلهم المتطرّف للنقد الذاتي أن يوفّر الذريعة لخصوم مجتمعاتهم وثقافاتهم كي يهاجموها ويطعنوا عليها متّخذين من ذلك النّقد حجّة من الذات على نفسها وشاهداً، هذا - طبعاً - دون أن نُدخِل في الحساب ما يرتِّبُه عليهم موقفُهم النقدي من استنفار قوى الموقف التبجيلي النقيض ضدّهم ومن تنمية شروط المناكفات والمناقرات بين فريقيْن في المجتمع لا يجتمعان على رأي في مسألة هي أمّ المسائل حساسية في كلّ مجتمعٍ وثقافة: النّظر إلى مكانة الذات أو الأنا الجماعية. هذا الإدمان المَرَضي على عادة نقد الذّات نقداً جارحاً، وإبداء الشدة عليها في الأحكام القدْحيّة إنما يمارِس فعلاً بعيداً، كل البعد، عن النّظر الموضوعي إلى الأشياء وإلى الذات مُؤْثِراً تحكيم المزاج والهوى.
نقدُ الذّات شيء آخر غير هذا النّوع المَرضيّ من النّقد الذي يَهْدِم ويُعْدِم، نقدُ الذّات غيرُ تحقيرِها وتعذيبها وتجريحها والانتقام منها بكل أنواع النقْم والإِنكار، فهذه أفعال مازوشيّة مَرَضيّة تنتمي إلى العدوان والنّكاية والزراية لا إلى النّقد الذي هو فضيلة معرفية بامتياز. النّقد الذّاتيّ الحقيقي لا يغترض صاحبُه غرضاً انتقامياً (من الذّات)، وإنما يفعله لكي يقطع منه الشوط الضروري نحو التصحيح والتصويب وإعادة البناء، على النحو الذي يضُخّ في شرايين الذّات (المجتمع والثقافة) مواردَ حيويّةً جديدة تستعيد بها عافيّتَها وتؤهّل بها قواها وفاعليتَها. هذا هو الفارق، الذي لا يُخطِئه عقل حصيف، بين نقدٍ مبناهُ على إرادة البناء ونقد هادم عادِم ليس أكثر من رديفٍ لنقيضه (تقديس الذات).