ما رأيك في جولة وقوف على الأطلال؟ طب نفساً، فلن أدعوَك إلى البكاء على رسم دارس، ولا شأن لي بسِقط اللِّوَى، ولا بتوضح فالمقراة. لكنك ستقف معي على أطلال الفنون الساخرة في بلاد العرب، شريطة ألاّ تسأل عن الموءُودة بأيّ ذنب قتلت.
لك أن تعاتبني كما شئت عذلاً وملاماً، فالحنين الذي في العنوان هو غير محله، فأين هو من واجب كشف المحجوب من العثار والانحدار إلى مهاوي الانهيار؟ لا يستطيع إلا الفيزياء التفسير العلميّ لما حدث. دع الآن العلوم، وصف الساحة كيف كانت، حتى تتسنى المقارنة. كانت الديار العربية تتزيّن سماء الثقافة فيها، بمصابيح الفنون الساخرة، شعراً ونثراً ورسوماً كاريكاتوريّةً، أيّامَ لم تكن الأنظمة عربيةً، كانت تركيةً عثمانيةً، وكانت البلدان دولاً غير مستقلة، مستعمرات، شعوبها لا تملك لأنفسها شيئاً، وكانت هويتها سليبةً وقيمها منتهكةً، وثرواتها منهوبةً. في تلك الحقب الداجية، كانت تشع في الظلماء أقباس أنوارها في العقول والمهج أشماس. في مصر تألقت صحافة ساخرة زاخرة فاخرة: أبو نظارة ليعقوب صنوع، التنكيت والتبكيت، والأستاذ، للأديب الكبير عبدالله النديم، ومن الأسماء العدوانية المطرقة، السيف.
التيارات الرائدة في فنون السخرية، كانت متوازيةً متزامنةً في عدد من البلدان العربية. في سوريا بلغت مجلة «المضحك المبكي» الأوج، وهي للإعلامي الأديب الشاعر حبيب كحّالة. وكانت في لبنان مجلة الدبّور. وفي تونس صحيفة «النديم»، لرائد السخرية، حسين الجزيري، وقد استمرّ نشرها طوال عقدين، وانطفأت سنة 1940. لكن، للأسف، عندما استقلت بلاد العُرْب أوطاني، قيل للصحافة الساخرة: يا صحف ابلعي حروفك، ويا سماء السخرية أقلعي.
الباحثون العرب في الشؤون السياسية والاجتماعية، لم ينعشوا الفؤاد بحل اللغز الملغّم: أليس عجيباً مريباً أن الفنون الساخرة، في الصحافة والأغنية والمسرح والكاريكاتور، ازدهرت في غياهب الاستعمار، فلما تحرّرت البلدان، زيّنوا معصمي الحريّة بأساور الأصفاد والأغلال، لهذا تشدو: «أعطني حريتي، أطلق يديّا». انحدار الفنون الساخرة شامل. اندثر الشعر الساخر ومعه الأغنية الساخرة. المسرح الكوميدي أكثر من 90% تهريج. الكاريكاتور خطوط بلا أفكار ساخرة. الأوبرا الساخرة لم تكن قط، وأخيراً الأوبريت الكوميدية «تعيش أنت».
لزوم ما يلزم: النتيجة التذكّرية: نسينا الفيزياء. محيط الثقب الأسود يسمّى أفق الحدث، إذا دخله شيء ابتلعه. ما أفق الحدث الذي دخلته الفنون الساخرة العربية فانقطع دابرها، فلا خبر؟
حنين إلى الفنون الساخرة
15 ديسمبر 2025 00:11 صباحًا
|
آخر تحديث:
15 ديسمبر 00:11 2025
شارك