صحيح أننا نعيش في عصر المنجزات، والتقنيات الحديثة والمتتالية والمتنوعة، زمن الاتصالات والسرعة، وتبعاً لذلك باتت معايير النجاح مختلفة نوعاً ما، حيث تكون الكلمة العليا للأرقام تحديداً، أو حجم الإنجازات الظاهرة. وتغيب عن الصورة منجزات ونجاحات أخرى لا تقل أهمية، إذا لم تكن لها الأهمية القصوى، مثل أم وأب قادا أسرتهما نحو التميز، وتمت تربية أبنائهما على القيم والمبادئ، وساهما في تنمية المجتمع بأبناء متعلمين، جادين، متوثبين. مثل هذه الأم والأب قد لا يرى الكثير منجزاتهما بعين التقدير الحقيقي، كونها مهمة منوطة بهما ومن الطبيعي القيام بها.
مدير في جهة عمل ما، أو رئيس في إحدى الشركات، وضع أسساً لعمل مرن سعيد، وجعل من بيئة العمل بيئة منتجة بحب وإخاء، وفي جو من الألفة والنقاء، فنجح في زيادة الإنتاجية، ونجح في الإنسانية، يرى الكثيرون، أنه قام بواجبه لا أكثر. ومع أن نجاح الأب والأم فعلاً، قد يكون طبيعياً ودورهما، ومع أن إصلاح بيئة العمل من ذلك المدير يعد فعلاً أحد أدواره ومهامه، إلا أنها أيضاً تعتبر نجاحات، وتعتبر نجاحات ثمينة، وتستحق الاحتفاء والتقدير.
هذا يقودنا نحو جدلية الاتجاه والسعي والنجاح، نعم كثير يسعون، لكنهم لا يحسنون رسم طريقهم، ولا توجد لديهم رؤية للاتجاه الذي يسيرون نحوه، كثير يحققون النجاح، لكنه نجاح منقوص وكان من الممكن أن يكون أوسع وأثمن وأكبر وبسهولة، وأشير للنجاح الذي يكون مفروضاً وتم وفق قياسات الآخرين، مثل هذا النجاح، قد يتحقق فعلاً، لكنه لا يعبر عن داخلنا وعمقنا، لأن هناك معاني ثمينة غابت عنها، فجعلت ذلك الإنجاز بلا طعم، ولا ذوق.
لذا فإن تلك الأم والأب، وذلك المدير أو الرئيس في العمل، كان نجاحهم يعبر عنهم، عن قيمهم، عن إخلاصهم، عن جهدهم وفكرتهم، إنجاز ونجاح يشبهان أرواحهم، ومن ضمن قلوبهم. نجاح هم من صنعه وكونه وجهزه، وفضلاً عن هذا نجاح يبقى ويؤثر. نحن نحتاج للتوقف، أو للهدوء، أو للتمهل في محاولة فهم النجاح الذي نسعى له، ونتوجه لتحقيقه، هذا التمهل يمنحنا فرصة قيام النجاح الذي هو قريب من قلوبنا، ويمثلنا.
نحتاج قبل أن نسأل: كيف ننجح؟ أن يكون السؤال: لماذا نريد هذا النجاح؟ كثير جداً يحققون نجاحات متتالية ومتزايدة، هناك منجزات عظيمة، وهناك منجزات باهرة، لكن ما هو النجاح الذي يمثلك أنت والذي يكون جزءاً من روحك؟
نجاح أعمق من الإنجاز
15 ديسمبر 2025 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
15 ديسمبر 00:05 2025
شارك