نتصور في بعض الأحيان أن حياتنا عبارة عن شريط فيديو طويل يسجل كل دقيقة بدقة، أو أننا حين نقيّم تجربة ما، مثل إجازة سنوية، أو صداقة، أو وظيفة، فإننا نقوم بعملية حسابية نجمع فيها كل لحظات الفرح ونطرح منها لحظات الحزن، لنخرج بالنتيجة النهائية. المنطق يقول: كلما كانت مدة السعادة أطول كانت التجربة أفضل، لكن العقل البشري، ولأسباب قد لا نفهمها، مع تعقيدات هذا العقل العظيم، لا يعمل بهذا المنطق الحسابي البسيط. ذاكرتنا ليست مسجلاً رقمياً للوقت، بل من الأفضل أن نشبهها بأداة تحرير دقيقة جداً.
هي تحذف المشاهد الطويلة والمملة، وتحتفظ فقط بمشهدين أساسيين تحكم من خلالهما على التجربة كلها، ممكن أن نطلق عليها مسمى «أقوى لحظة شعورية»، أو «الذروة»، و«لحظة النهاية». هذه الظاهرة النفسية المدهشة تسمى «قاعدة الذروة والنهاية» أو «Peak- End Rule»، وهي ترتبط بمفهوم «إهمال المدة».
وهي تخبرنا بأن «طول المدة» الزمنية لا يعني شيئاً يذكر لذاكرتنا، فنحن قد ننسى أسبوعاً كاملاً من الاستمتاع الهادئ بسبب نهاية سيئة مدتها خمس دقائق، والعكس صحيح. وقد أثبت عالما النفس دانيال كانيمان، وباربرا فريدريكسون، هذه الحقيقة في دراسة علمية قاما بإجرائها عام 1993، حيث عرضا على المشاركين مقاطع فيديو تثير مشاعر مختلفة وبمدد متفاوتة.
كانت النتيجة المفاجئة أن طول مدة العرض لم يؤثر في تقييم المشاركين للتجربة، بل كان التركيز كله على اللحظات البارزة. لخص الباحثان هذه النتيجة بعبارة بليغة جداً في ملخص الدراسة، حيث قالاً: «يبدو أن التقييمات بأثر رجعي تتحدد من خلال متوسط مرجح للقطات من التجربة الشعورية الفعلية، وكأن المدة لا تهم».
وبما أن هذه العبارة قد تكون عميقة، فإن معناها أن العقل يسقط الزمن من حساباته أحياناً، ويركز على الأمور التي التقطها في لحظات الذروة والنهاية. هذا الإدراك يمنحنا حكمة عملية في التعامل مع يومياتنا. لا يهم كم كان الاجتماع طويلاً ومتوتراً، المهم أن تنهيه بكلمة طيبة وابتسامة، فهذا ما سيبقى.
لا يهم كم تعثرت الرحلة، المهم أن يكون الوداع دافئاً، نحن بحاجة لأن نصبح مهندسين للنهايات، ونعطيها أهميتها وندرك حجم الأثر الذي تتركه فينا وفي الآخرين، لأننا في النهاية، لا نملك من ماضينا سوى ما تقرره الذاكرة، وذاكرتنا دوماً تحب أن تبقي على النهايات الجميلة.