يونس السيد

للمرة الأولى منذ إعلان وقف إطلاق النار في غزة، يصدر عن الإدارة الأمريكية ما يفيد أنها تدرس ما إذا كانت إسرائيل خرقت الاتفاق، وتوجه رسائل «حازمة» إلى تل أبيب، حسب ما تردد في وسائل إعلام أمريكية، بعدما نفد صبر واشنطن تجاه العرقلة الإسرائيلية لمجمل الخطط الأمريكية في المنطقة.
في الجوهر، لا يبدو أن واشنطن تأبه كثيراً لاغتيال قيادي من «حماس»، ولا للخروقات اليومية المتصاعدة لوقف إطلاق النار في غزة، بقدر ما باتت تعتبر أن هذه الخروقات موجهة ضدها، بمعنى أن هناك تعمداً إسرائيلياً لمنع الانتقال إلى المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية.
ولا يخفى على واشنطن أن ما يهم إسرائيل، في الأصل، هو تنفيذ الشق الأول من الاتفاق، وهو المتعلق بتبادل الأسرى الأحياء والأموات، من دون أن تلتزم بتنفيذ بقية استحقاقات المرحلة الأولى، سواء على صعيد البروتوكول الإنساني، أو فتح المعابر والسماح للمدنيين بالخروج والعودة وغير ذلك من القضايا الواردة في الاتفاق. وبدلاً من ذلك ذهبت ليس فقط إلى التصعيد والاغتيالات، وإنما إلى التلاعب بما يسمى «الخط الأصفر» لتوسيع مناطق سيطرتها في القطاع، وإلى المراوغة وافتعال أزمة حول معبر رفح، بإعلان استعدادها لفتحه باتجاه واحد، في عودة مكشوفة لسياسة التهجير المرفوضة قطعاً مصرياً وعربياً، والمخالفة للخطة الأمريكية.
هذه الخروقات بات يفهم منها شيء واحد هو الحيلولة بشتى الوسائل دون الانتقال للمرحلة الثانية من الاتفاق، وهو ما باتت تدركه الإدارة الأمريكية، معتبرة أن هذه الخروقات لم تعد تدخل في إطار الحوار بالنار مع الفصائل الفلسطينية، وإنما تتعارض مع رغبة واشنطن نفسها، التي تسابق الزمن للانتقال للمرحلة الثانية. فمن جهة، تحاول واشنطن الإسراع بتشكيل «القوة الدولية» وحددت أوائل العام المقبل لنشرها بالتزامن مع إعلان «مجلس السلام» وحكومة تكنوقراط فلسطينية محايدة، لفرض الأمن وإدارة القطاع، مع ما يترتب على ذلك من فتح مسار سياسي يفضي إلى سلام دائم في المنطقة.
ومن جهة أخرى، تسعى إسرائيل لفرملة هذا التوجه، كونها ترفض الاستحقاقات المترتبة عليه، من سحب قواتها إلى خارج القطاع، إلى الدخول في مسار سياسي، ينهي طموحاتها في العودة للحرب، ويفضي إلى تسوية فلسطينية وتوسيع دائرة السلام في المنطقة. بهذا المعنى، فإن ما يهم إسرائيل هو المرحلة الأولى فقط والتوقف عندها، لإبقاء كل الاحتمالات مفتوحة أمام خططها وأهدافها. وليس أدل على ذلك من إجهاض حكومة نتنياهو المرحلة الثانية قبل أن تبدأ في صفقتي الأسرى السابقتين، في يناير/ كانون الثاني 2024 وفبراير/ شباط 2025، حين وافقت على الصفقتين وتراجعت عنهما عشية المرحلة الثانية. وواشنطن تدرك ذلك، ولعل هذا ما يفسر سبب نفاد صبرها على نتنياهو، على أمل أن يتم حسم هذه الأمور في اللقاء المنتظر في البيت الأبيض نهاية العام الحالي.

[email protected]