كان لحكمة أحمد شوقي الشعرية «وللحريةِ الحمراءِ بابٌ، بكل يدٍ مضرجةٍ يُدَقُ» سياقها الزمني حين اختار أن يتضامن مع العاصمة السورية بعد أن تعرضت لقصف فرنسي عام 1926 خلال الثورة السورية الكبرى. استدعت «نكبة دمشق»، وقتها، وهذا عنوان القصيدة المعروفة أيضاً باسم «سلام من صبا بردى»، نصرةً ولو شعرية استقرت حكمة تجري عبر الأجيال بفهم محدد للحرية في موازاة عدو معروف هو الاحتلال، ومعها شاع أن حرية الأوطان لا شك حمراء تستدعي التضحيات، ولو بالدم.
بعد مئة عام تقريباً، تمددت النكبة في أكثر من عاصمة، غير أن الغرب اختار أن يلوّن الحرية حسب كل جزء من الخريطة يستهدفه، وأصبح القصف لا يكتفي بالأسلحة، بل يضيف إليها المتسللين بنعومة بين تفاصيل أوطانهم يغطيهم دعم إعلامي وحقوقي تتبدل فيه المعاني أيضاً حسب الغرض.
نحن أمام صورة بشعة من قواميس الغرب الذي يحاول أن يعلي دائماً فهمه الخاص، فليس الإرهاب إرهاباً إلا حين يريد، أو عندما لا يؤلمه، والاحتلال تحرير إذا أوصله إلى السيطرة على قرار دولة ما وثرواتها، والحرية مفهوم شائه مخادع مقبول إذا عاث في وطن فساداً وخرج على ثوابته ومقدساته، ومرفوض إذا قال لا لأمر غربي مستقر.
نظرة إلى السنوات الماضية من عمر الخرائط العربية كافية لرؤية هذا الازدواج الذي لا يخلو من نَفَس استعماري لكن بأدوات جديدة تتشكل حسب المرغوب في كل بلد. سقطت بلدان، وقُصفت أُخرى، وهُددت ثالثة، وفي كلها صُنعت أبواق عربية لكنها تنطق بلسان غربي إما مفتون فقط بكل ما يؤمن به «العالم الأول»، وإما موظف لديه بمهام محددة تكفل له الحماية حتى إذا دعا إلى حرق وطنه وقتل مواطنيه باسم الحرية التي تصنع حسب الطلب، ولمستهلك واحد فقط، بدلاً من كونها مفهوماً يمكن الاتفاق على قدر من تفسيراته، على الأقل المتعلقة بعصمة الأوطان، وحرمة الدماء، واحترام المؤسسات.
إن عواصم عربية صبرت طويلاً، وتصبر، على الابتلاء في بعض المنتسبين إليها وهم يخالفون الخط الوطني محتمين بجنسيات أو علاقات على الجانب الآخر، وحين تقرر مواجهة بلوغهم الحد الأقصى من الشطط بوسائل قانونية، تجد في الغرب من يرفع من أجلهم رايات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
إن دولاً غربية رهنت علاقاتها بأخرى عربية ومارست ضغوطاً علنية للإفراج عن «نشاط» أو «ثوري» أو «حقوقي» وغير ذلك ممن بنوا شهرتهم على أطلال «الربيع العربي»، بل استلزم الأمر مفاوضات بين أعلى مستويات القيادة في الجانبين، وخروج مظاهرات إلكترونية وواقعية ضد إجراء قانوني طبيعي. وفي غالب الأحوال، يسترد الغرب صنيعته بصفقة أو صفحة جديدة في العلاقات.
هناك، تصبح الحرية سوداء، لأنها دعت إلى قتل رجل أبيض أو من طائفة بعينها، فلا يملك «الثوري» في بلده إلا الاعتذار والتعلل بطيش الشباب، خوفاً على جنسيته الأجنبية.

[email protected]